آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الصف المقسوم

محمد معتوق الحسين *

بعد اغتيال رمز مكافحة العنصرية مارتن لوثر كنج عام 1968، وفي بلدة صغيرة في ولاية أياوا الأمريكية، خشيت معلمة الصف الثالث السيدة «جين إليوت» أن يكبر طلابها فيصابوا بداء العنصرية، خصوصاً أن جميع سكان البلدة كانوا من البِيض، وأن الطلاب الصغار لم يروا في حياتهم أناساً من أعراق أخرى ليعيشوا معهم التعددية العرقية. ولكي تنجح في مهمتها، قامت المعلمة بعمل خطير وغريب، عمل لم يلقن طلابها الدرس المطلوب فحسب، بل جعل منها رمزاً هاماً في تاريخ مكافحة العنصرية في أمريكا. لقد قررت جين إليوت أن تمارس العنصرية بنفسها!

الزُّرق والبنّيون

ذات صباح، قسّمت إليوت طلابها إلى قسمين بحسب لون أعينهم: ذوي العيون الزرقاء، وذوي العيون البنية. لنسمّهم مجازاً «الزرق» و«البنّيون». ثم حاولت أن تقنع الطلاب بشيء غريب. قالت لهم أن الزرق هم أفضل من البنّيون، فهم أذكى ولا يسببون المشاكل! وراحت تثبت نظريتها مستشهدة بأمثلة مستفزة من قبيل ”أنظروا إلى «بروس» البنّي كيف نسي واجبه. «سوزان» الزرقاء لم تنسَ واجبها. ذوو العيون الزرقاء أفضل“. ثم زادت الطين بلة فقالت لهم أن الزرق سيحصلون على فترة «فسحة» أطول، وأن من حقهم أن يلعبوا بألعاب ساحة المدرسة. أما البنّيون، فليس لهم أي من هذه الصلاحيات. ثم طلبت من ذوي العيون البنّية أن يلبسوا طوقاً قماشياً حول رقابهم كدلالة على دناءة شأنهم وضعف ذكائهم. كذلك قالت إليوت لطلابها أن التفرقة بين البنيّين والزرق ستستمر طوال ذلك اليوم.

كان وقع كلام المعلمة كالصاعقة. وخلال ذلك اليوم الدراسي، حصلت أمور في غاية الغرابة!

فبينما شعر الزرق بالغبطة والمعاملة المميزة وأنهم أفضل وأذكى، انهارت معنويات البنيّين وشعروا بظلم وغبنة كبيرين. فمثلاً، قام الزرق بإتمام نشاط دراسي جماعي في مدة أقصر بكثير من تلك التي احتاجها البنّيون المقهورون. وخلال الفسحة، تشاجر طالب بنّي مع آخر أزرق لأن الأزرق سخر من صاحبه ونعته بال «بنّي» مما استثاره إلى حد الشجار بالأيدي. تقول إليوت ”رأيت كيف تحول طلابٌ رائعون متعاونون أذكياء إلى أطفال متعصبون بذيئون أشرار في ظرف 15 دقيقة“. وهكذا، عاش الطلاب جميعاً يوماً غريباً جداً، كان فيه الزرق ملوكاً، والبنيون عبيداً مستضعفين.

في اليوم التالي قالت إليوت لطلابها أنها كانت على خطأ، وأن البنيون هم في الحقيقة الأفضل والأذكى، وأن الزرق هم أقل شأناً وذكاءً وعليهم أن يرتدوا اليوم أطواق المهانة والذل. صدّق أو لا تصدّق، حصل العكس تماماً. البنيون شعروا بالرفعة وعلو الشأن وكانوا أسرع بكثير في إتمام النشاط الدراسي ذاته الذي أنجزوه ببطء بالأمس «دقيقتين ونصف مقابل خمس دقائق ونصف»! أما الزرق فشعروا بمرارة التفرقة وأثّر ذلك كثيراً على حماسهم للدراسة وأداءهم في الفصل.

في ختام اليوم الثاني، شرحت إليوت لطلابها المغزى مما عملته وأن غرضها كان أن يعرفوا ما يشعر به مَن تُمارَس ضده التفرقة ويتعرض للنظرة الدونية طوال حياته. كان الدرس كبيراً وناجحاً. في الواقع تجاوز نجاح هذه التجربة غرفة الصف الثالث، وانتشر صيت إليوت التي كررت تجربتها لاحقاً في المئات من المدارس. تحولت إليوت مع الوقت إلى ناشطة في مجال التعايش ومكافحة التفرقة، وصُوِّرت تجربتها في برنامج وثائقي بعنوان «الصف المقسوم» فاز بجائزة «إيمي» الشهيرة، وتم استضافتها في برنامج «أوبرا» المعروف خمس مرات.

بعد مشاهدة برنامج «الصف المقسوم» على اليوتيوب، حاولتُ أن أتصل هاتفياً بجين إليوت علها تكون سمعت بما يجري في منطقتنا وتفيدني برأيها. وكم كنت محظوظاً حين وجدت رقمها، ووافقت على الحديث معي.

«إليوت» في السعودية

تخيل أن تزورنا جين إليوت في بلدنا، ماذا ستكون ردة فعلها في رأيك؟ حسناً لا تتخيل. لقد أخبرتني إليوت أنها زارت السعودية بالفعل ثلاث مرات، أقامت فيها مع ابنتها التي كانت زوجة لموظف في أرامكو!

حين قررت أن أتصل بها كنت أتمنى أن تعطيني رأيها في التمييز العنصري والتفرقة بشكل عام. لم أكن أتوقع أن تعطيني رأياً تفصيلياً عن مظاهر التفرقة عندنا. حدثتني جين ذات ال82 عاماً عن استنكارها الشديد لممارسات التفرقة عندنا تجاه المرأة والعمالة الأجنبية وخصوصاً تجاه الآخرين المختلفين مذهبياً. كانت تتكلم بحرقة غريبة حتى ظننت أنها سعودية دون أن أدري، علماً أن آخر زيارة لها كانت عام 1997.

وكان مما قالت بخصوص الهجمات الإرهابية الآخيرة ”إن القادة الدينيون الذين يأمرون بقتل الآخرين هم لا يستحقون أن يسمّوا قادة دينيين... لا أظن أن الله قد أمركم بقتل بعضكم بعضاً باسمه... إذا كانت عقائدك تدمر وطنك، فلابد أن تراجع عقيدتك“. حتى أنها استشهدت بآية في سورة المائدة وقالت ”ألم يقل القرآن أن من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً؟ إن القرآن كتاب أخلاق، وهؤلاء يفسرونه بشكل خاطئ.“ ولعل أجمل ما قالته لي هو ”يا محمد.. إن الله قد خلق عنصراً واحداً هو العنصر البشري، البشر هم الذين خلقوا العنصرية“.

بين الرُبع والأربعة عشر

كم تمنيت أن نتعلم من تجارب الآخرين في تعايشهم. من ماليزيا وأعراقها المتعددة، من الهند وأديانها الكثيرة، ومن أوروبا التي اختفت فيها الحدود. ربع ساعة من الخطاب العنصري حول طلاب جين إليوت الأبرياء إلى متعصبين شرسين، فما بالك بأربعة عشر قرن من الشحن الطائفي البغيض. أما آن لصفّنا المقسوم أن يلتحم؟