آخر تحديث: 20 / 1 / 2020م - 12:21 م  بتوقيت مكة المكرمة

الراقصون على إيقاع الإرهاب!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يتفق الجميع على أن «الدولة» باعتبارها «صاحبة القوة العليا غير المقيدة»، والتي تعبر عن «السيادة والشرعية والهيمنة» على أرضها وشعبها، هي المستهدفة من موجة الإرهاب الطائفي الأعمى الذي يضرب بلادنا هذه الأيام.

نعم، الجميع يتفق على ذلك.. لكن البعض يصر على أن يدخلنا في دهاليز التصورات / التبريرات.

لعل أبشع ما يمكن أن يواجه به الإرهاب الفصيح والواضح أن يلقي البعض غمامة من التلبيس عليه! يجعلونا نختلف بشأن تشخيصه، فضلاً عن إسقاطنا قسرًا في فخ التبريرات الواهنة التي لا تفعل شيئًا سوى تبريد المواقف وتمييع العزيمة وتشويه الحقيقة، كالقول إن ما يحدث هنا نتيجة لما يحدث هناك!

لقد اتفق العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر «أيلول» 2001 على أن الإرهاب «لا قضية له»، ولا يجوز تبريره أو تقديمه كمبرر لأي سياسة كانت، فلا الديمقراطية، ولا الإصلاح، ولا الإقصاء أو التهميش، يبرر لأحد أن يسفك الدماء أو يقتل الأنفس أو يعيث في الأرض فسادًا، فضلاً عن الاختلاف بين الناس في الدين أو العقيدة أو العرق.

ولذلك كان التعاطف مع الإرهاب جريمة، وتسويغه وتبريره جريمة أخرى، لكنْ اللاعبون الخفيون عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام يغرقوننا في الفوضى: في المسببات والمبررات، ويربطون عمدًا ما يجري في بلادنا بالمحاور الدولية، وبالفتن المستعرة في أنحاء العالم.. لا لكي يستخلصوا العبرة، ولا لكي يحصنوا الدولة، ولا لكي ينقذوا السفينة.. وإنما للتقليل من فداحة ما يجري، والهروب من المسؤولية، ومنح التعصب فسحة من الوقت لالتقاط الأنفاس، وتسويغ جرائمه بين الجمهور.

مطلع هذا العام أصدر القضاء الفرنسي - ولأول مرة - إدانات بتهمة «تبرير الإرهاب»، وهي عقوبة أدرجت مؤخرًا في القانون الجنائي الفرنسي، إذ صدرت أحكام بالسجن على شبان أعربوا عن تضامنهم مع منفذي الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، وذلك عبر منشورات على موقع «فيسبوك» شملت صورا للمتطرفين وتصريحات تبرر هجماتهم الإرهابية.

وفي خطابه الهام أكد الملك سلمان بن عبد العزيز لولي العهد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، بعد تفجير مسجد القديح «بالقطيف»، أن «كل مشارك أو مخطط أو داعم أو متعاون أو متعاطف مع هذه الجريمة البشعة سيكون عرضة للمحاسبة والمحاكمة وسينال عقابه الذي يستحقه، ولن تتوقف جهودنا يومًا عن محاربة الفكر الضال ومواجهة الإرهابيين والقضاء على بؤرهم».

اليوم نحن أمام إرهاب متنقل، هدفه واحد، وهو إشغال الدولة في الفوضى التي أفصح عنها المتطرفون في كتابهم «إدارة التوحش»، وهو كتاب إرشادي يصور كيفية الوصول إلى طريقة لافتعال التوحش «الفوضى» من خلال ما يسميه «شوكة النكاية»، وهي المرحلة التي تسبق مرحلة إدارة التوحش ثم تليها مرحلة التمكين!

وإذا كنا نتفق على أننا في مركب واحد ومستهدف، فإن أولى مسؤولياتنا حماية هذا المركب، والحفاظ على وحدة أهله، وغدا سنسأل جميعًا: ماذا فعلتم لحفظ بلدكم ووحدة شعبكم. لقد أظهر الرجال والنساء المفجوعون المستهدفون بالإرهاب في القديح والعنود قدرًا من الوعي الوطني يفوق ما عليه نخبة المثقفين ومنتسبو «حزب الكنبة»، الذين راحوا يشغلوننا بالمهاترات الفارغة، دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة لكي يكونوا إنسانيين أكثر ويقتربوا من لحظة الوعي التي صاغها كالذهب آل الأربش وعوائل شهداء القديح.