آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:17 ص

كيف يتكون الإدراك؟

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ «102» اَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «103» قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ «104» وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «105» - صدق الله العلي العظيم - الأنعام.

الإدراك من أهم الخصائص التي تُميِّز الإنسان؛ وإن كان إدراكه محدودا نسبيا، يبقى الإنسان من أكثر المخلوقات إدراكا. وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً «105» - الإسراء. لذلك الإدراك نفسه حيّر الفلاسفة والعلماء وإلى الآن لم يعطِ أيٌ منهم إجابة مقنعة تتخطى ما توصل إليه رِنِيه ديكارت من قبلُ: ”أنا أفكر، إذاً أنا موجود“ «cogito ergo sum».

كولن وتولينفي سبعينيات القرن المنصرم، قام عالم النفس الحيوي، من جامعة تولين بالولايات المتحدة الأمريكة، گوردُن گالُّپ «Gordon Gallup» بتجربة المراية لإدراك النفس، وذلك بوضع نقطة حمراء على جبهة بعض الحيوانات ووضع مرآة أمامهم ومن ثم ملاحظة ما يفعله ذلك الحيوان تجاه هذه النقطة. الحيوان الذي يدرك نفسه في المراية، يتلمس تلك البقعة في جبهته أو يحاول مسحها، ومنها يستنتج گالُّپ إن كان هذا المخلوق يدرك نفسه ويميزها أو لا، وذلك تطبيقا لمقولة ديكارت الشهيرة.

ولكن هنا تتجلى قدرة بعض المخلوقات على معرفة نفسها أو لا، ومن المخلوقات التي تدرك بالطبع الإنسان، والرئيسيات <مثل الغوريلا والچمپانزي>، والدلافين، والعقاعق <نوع من الغربان>. في الغالب، يعتقد الباحثون أن هناك أجزاء من الدماغ تساعد في إدراك النفس، أو ربما الطريقة التي تتواصل فيها أنسجة الأعصاب، أو الاثنين معا؛ كيفية حدوث هذا الأمر لا يزال لغزا يُحيِّر الكثيرين من العلماء والباحثين.

محاولة استخلاص الشخصية والإدراك من الكائن من خلال أجزاء مُحدّدة من الدماغ أصبح مسارا لا جدوى منه أو فيه. نظرية المعلومات المتكاملة «integrated information theory» تَنُصُّ على أن بعض الأنظمة أعقد مِنْ أنْ تُحَلُّ ألغازها من خلال تفكيكها إلى مركباتها الأساسية، وفي الواقع، الدماغ يُعتبر أعقد جهاز ونظام مرَ على الإنسان قاطبة: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ «20» وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ «21» - الذاريات. هذه النظرية توضح لماذا لا يمكن فهم الإدراك من خلال اتباع الأساليب التقليدية، ولكنها للأسف لا تستطيع شرح كيف ينبت الإدراك من خلال الشبكات العصبية المعقدة.

لقد حاول الفيزيائيون أيضا شرح هذه المسألة ولكنهم عجزوا عن الوصول إلى إجابة محددة، ومنها اقترحوا علاقة بين الإدراك والنظرية الكمية وربما الأبعاد المختلفة التي لا تعيها أحاسيسنا. بعض التفاسير تشير إلى أن العالم من حولنا يتشكل فقط عندما يُلاحظ من خلال مخلوق عاقل ومُدرك لما حوله <علينا أن نتوقف هنا قليلا لأن هذه النظرية معقدة ويصعب شرحها من خلال سطور بسيطة ومن أراد أن يتزود فعليه قراءة كتب المُنظِّر الفيزيائي براين گرين من خلال المصدر الثاني>. على النقيض، قد يكون الحل في العشوائية التي تلعبها الأكوان الكمية داخل تلك الذرة الصغيرة <هنا يُستحسن مراجعة نظرية الأوتار، والرجوع أيضا لكتب براين گرين مفيدٌ جدا>؛ وهذا الاقتراح يتحقق ربما إذا وُجدت وعُرفت هذه الأكوان والتركيبات داخل تلك الذرات؛ هذا إذا كانت موجودة بالفعل.

كولن وتولينإنْ كانت الأبحاث لغاية الآن في الوعي والإدراك غير مُجدية فهناك ربما أسباب يشرحها الفيلسوف في جامعة ميامي، الأستاذ الجامعي البريطاني الأصل كولِن مَكگِّن «Colin McGinn» الذي يعتقد أنّ العقل لا يستوعب نفسه، وإن صحَّ كلامه فهذا يعني أننا لن نستطيع أن نحل هذا اللغز إطلاقا.

في النهاية، أود أن استميح القارئ الكريم عذرا لأنني لم أتوقع أن هذا الموضوع لن يكن سهلا في البحث أو التناول أو الشرح أو الفهم، خصوصا أننا نحاول أن نستوعب أمرا لا يمكننا فهمه إصلا، وهذا ما أكّد عليه العلماء والباحثون. في هذا المجال، دخلنا في علم الأحياء والنفس والفلسفة والفيزياء الكمية، ولكننا لم نصل إلى نتيجة مُرضية. كنتُ في نقاش مع بعض الشباب الواعدين الذين كانوا يعتقدون أنّ علم الجينات بمعزل عن علم الفيزياء وأن لا علاقة لهما ببعض، ولكن في واقع الأمر، كل شيء يتعلق بالفيزياء في صوره البدائية؛ مثلا، لتطور المخلوقات علاقة وطيدة بحجم الجاذبية فلو زادت جاذبية الأرض لما استطاعت الحيوانات الضخمة العيش على اليابسة. العلم مترابط أكثر مما نتوقع، ولكي يبدع المرء أو يكتشف، عليه أن يتعلم أكثر من نوع من العلوم ويحاول أن يربط بينها للوصول إلى نتيجة مفيدة.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.