آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 11:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

حلوى المارشملو

محمد معتوق الحسين *

في يوم من الأيام، ذهبت إلى السوبرماركت يتملكني الخوف. بحثت عن تلك الحلوى في كل مكان، إلى أن وجدتها مختبئة على رف الحلويات. أمسكتها ورحت أتأملها بقلق وارتباك. فعندما آخذ هذه الحلوى السحرية إلى المنزل فإنها ستخبرني إن كان ولدي مهدي سينجح في حياته أم لا. نعم، إذا أردت أن تعرف إن كان ولدك سيصبح ناجحاً في حياته، فإن الجواب موجود في.. الحلوى!

● اختبار الحلوى

قد تستغرب ما أقول، ولكن ذلك ما دلّت عليه تجربة مثيرة أُجريت في ستينيات القرن الماضي أُطلق عليها اسم «اختبار المارشملو». في تلك التجربة أراد عالم اسمه «والتر ميسشل» وفريق من الباحثين اختبار قوة الإرادة عند أطفال في الرابعة من عمرهم. فأخذوا كل طفل على حدة، وأدخلوه في غرفة وقدّموا أمامه قطعة حلوى مارشملو شهية. ثم قالوا للطفل ”إن أحببت فبإمكانك تناول هذه القطعة الآن، ولكنّك إن صبرت ل20 دقيقة فقط فإنك ستكافأ بقطعة حلوى أخرى، وبالتالي ستأكل قطعتين بدل الواحدة“. ثم تركوا ذلك الطفل في الغرفة لوحده ليقرر ما سيفعل. فما الذي جرى؟

بعض الأطفال لم يحتملوا شكل الحلوى المغري ورائحتها الشهية ففضلوا أن ينقضوا عليها ويلتهموها التهاماً. والبعض الآخر فضّلوا أن يصبروا لكامل المدة، ليحصلوا على الحلوى الثانية كمكافأة. وكم عانى أولئك «الصابرون» الأمرّين في مقاومة الرائحة الزكية والشكل الجذاب لتلك الحلوى الشهية، ولكنهم صبروا في سبيل الجائزة.

● ما أنبأت به الحلوى

بعد إتمام التجربة، استمر فريق العلماء في متابعة الأطفال إلى أعمار متقدمة فكان العجب العجاب! قارن العلماء بين أولئك الذين قاوموا رغباتهم في أكل الحلوى «الصابرون»، وبين نظرائهم الذين لم يصبروا «المتعجلون» فوجدوا أن الصابرين تمتعوا بتفوق أكاديمي ومهني أعلى، ومهارات اجتماعية أفضل، ونفسيات أكثر اتزاناً. كما وُصف الصابرون بأنهم أشد انضباطاً ويمكن الاعتماد عليهم أكثر من المتعجلين.

وعلى مدى السنين، تم تكرار التجربة على المئات من الأطفال في مجتمعات ودول مختلفة، وكانت النتائج دائماً واحدة: الأطفال الصابرون الذين قاوموا رغباتهم في تجربة المارشملو كانوا أكثر نجاحاً مستقبلاً من أولئك الذين تعجلوا في أكل الحلوى! فخلُص العلماء إلى نتيجة علمية مفادها أن: قدرة الإنسان على تأجيل إشباع الرغبات الآنيّة في سبيل الفوائد اللاحقة هي من أهم ما ينبئ بنجاحه في المستقبل. أو ببساطة، قوة الإرادة وضبط النفس تنبئ بالنجاح المستقبلي.

● ماذا عنّي؟!

ربما تتساءل الآن إن كنتَ من فريق المتعجلين ذوي الإرادة الضعيفة، أو الصابرين ذوي الإرادة القوية. وإن كنتَ من ذوي الإرادة الضعيفة فهل هذا يعني أنك لن تجد النجاح في حياتك قط؟ الجواب هو لا. فقد وجد علماء النفس أن الإرادة هي مهارة يمكن تعلّمها، وليست أمراً ثابتاً في حياة الإنسان.

فمثلاً، قام علماء تجربة المارشملو بإعادة تجربتهم على مجموعة أخرى من الأطفال، ولكن في هذه المرة، علّموهم بعض مهارات تقوية الإرادة والصبر، كَشَغل تفكيرهم بأمور أخرى حال الانتظار، وتحاشي النظر للحلوى، وما إلى ذلك. النتيجة؟ كل الأطفال تقريباً صبروا ليحصلوا على قطعة الحلوى الثانية.

إذاً فالإرادة معظمها مهارة يمكن تعلمها. وإن رغبنا في تقوية إرادتنا وضمان النجاح في المستقبل، فإن علينا أن نسعى لتعلم مهارات الإرادة. فمهارات الإرادة هي التي ستمكننا من ترك العادات السيئة واكتساب العادات الحسنة والصبر على الصعاب في الطريق إلى النجاح. وهناك كتب حديثة ذات طرح شيق في مجال تقوية الإرادة، منها كتاب «غريزة قوة الإرادة - Willpower Instinct» وكتاب «غيّر أي شيء - Change Anything».

● ماذا عن مهدي؟

اخذت حلوى المارشملو التي اشتريتها إلى البيت لأجري التجربة على ولدي مهدي، وأرى إن كان سيتعجل أم يكون من الصابرين. ولما وصلت إلى البيت، نظرت إلى كيس الحلوى فوجدته فارغاً.. لأنني أكلت الحلوى في الطريق!