آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:07 ص

علموا أودلاكم المنطق

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ «22» وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ «23» وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ «24» وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ «25» قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ «26» وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ «27» فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ «28» - صدق الله العلي العظيم - الجاثية.

فُلانٌ إنسان صالح وسوي ومستقيم ولا يرتكب الفواحش ما ظهر منها وما بطن. عَلَّان عالِمٌ يعمل في مختبر ويحاول مراقبة تأثير الخمر على الأسوياء فدسّه لفلان خلسة في كأس من العصير. عندما سَكَرَ فلان ارتكب فاحشة الزنى فأحيل الأمر لقاضيين؛ زيد وعمرو. اخلتف القاضيان في الحكم على فلان وعلان ولكل منهم دلالاته. زيد يقول إن شرط الزنى تحقق ومنه يعاقب فلان بما نص عليه الشرع ولا حياد عن تطبيقه، وكذلك يعاقب علان لأنه دسّ الخمر لفلان خلسة. يرى عمرو الأمور من زاوية أخرى ويقول إن فلان السوي لا يرتكب مثل هذه الأمور وهو في كامل قواه العقلية وإن الخمر قد أثر على تصرفاته ومنها لا ذنب له لأنه زنى بعيدا عن إرادته. وكذلك يقول إن نوايا علان كانت طيبة وإنه مجرد عالم يخدم البشرية واضطر لهذا الفعل لأن فلان لن يقبل أن يشرب الخمر لو علم بالأمر. قد نناقش هذه القضية بيزنطينا من الآن إلى يوم القيامة وحتما لن نصل إلى نتيجة ترضي جميع الأطراف وكذلك لأن لكل من فلان وعلان عذره ولكل من عمرو وزيد منطقه، وليس الغرض من طرح هذه المسألة محاكمة أي من هؤلاء الأربعة، ولكن لنستفيد ونزداد حكمة وعظة وعلما. في نفس القضية، قد يأتي باحث ويقول إن الخمر يحفز على الزنى ويستدل بقصة فلان، وقد يأتي باحث آخر ويبرهن أن الخمر يؤثر على الرغبة الجنسية عكسيا بالنتائج المخبرية التي يحملها كون المسكرات والمخدرات من المثبطات، ومنها أيضا ندخل في قضية لا خروج منها بنتائج مرضية.

في كثير من الأحيان نلجأ للمنطق لحل بعض المسائل وهذا ما يتجلى في قصة نبي الله يوسف الذي أُثبتت براءته كون قميصه قَدْ قُدّ من دبر بما يعني أنه كان هاربا وكانت زليخة تتعقبه وتشد من قميصه لكي لا يهرب عنها ولكي يلبي رغباتها. وفي قضية يوسف حُلّت المسألة منطقيا وبعلاقة يُطلق عليها رياضيا ”العلاقة المتعدية“ ولا يمكن حلّ مثل هذه المسألة دون الرجوع للمنطق السليم وذلك بتوظيف العلاقة المتعدية بين عدة أطراف. لنلاحظ أن ليس كل من قُدّ قميصه يعني أن هناك مراودة، فقد يكون المرء يلعب الكرة وشدّه خصمه. العلاقة المتعدية عبارة عن أداة رياضية تربط علاقة بين أمرين لا علاقة مباشرة بينهما. ومثال بسيط على هذه العلاقة لو قلنا إن محمدا أطول من علي وإن عليا أطول من حسين، فحتما سنستنبط علاقة بين محمد وحسين ونستنتج أن محمدا أطول من حسين، ومنها يكون هذا الاستنتاج صائب 100% دون الحاجة لمعاينة مباشرة بين محمد وحسين.

كوردن مورما حدا بي لكتابة هذا المقال هو نقاش قد تم بيني وبين طبيب محترم بخصوص بعض الأبحاث التي قرأها كلانا ولكن خرج كل منا بنتيجة مختلفة؛ فلا هو يرى ما أرى ولا أنا أرى ما يراه، ومن هنا تتدخل أمور كثيرة ومنها سبل ووسائل يتعرض لها الناس أثناء دراساتهم الأكاديمية أو خبراتهم الميدانية. الرياضيون «الفيزيائيون وعلماء الرياضيات والحواسب» يعتمدون كثيرا على الرياضيات والمنطق الرياضي لحل مسائلهم والتي تكون النتائج في الغالب موضوعية. المنطق الرياضي سارع في تطور العلوم في الخمسين سنة الماضية بصورة مطردة لم تعهدها البشرية من قبل وقد تنبأ بذلك عالم الكيمياء المشهور، والذي انشغل بعلوم الحاسوب، گوردن مُوور «Gordon Earle Moore» في مطلع السبعينيات، والذي استقرأ أن تطور الإلكترونيات يتضاعف في كل سنة ونصف، وهذا تطور أُسّي ليس بالبسيط أتاح للجميع اليوم أن يحملوا في أيديهم جهازا بحجم الكف كان يحتاج في السبعينيات لعمارة كاملة لتحويه. كل أجهزة الحاسوب اليوم مبنية على المنطق الرياضي، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا التطور الملموس الذي لا يخفى على أحد. المنطق الرياضي ساهم وساعد على هذه القفزات البعيدة، ولا بأس أن تدخل هذه المادة على باقي العلوم لكي تكون متاحة للجميع وتستفيد منها العلوم الأخرى كما استفادت التقنية من هذه المادة البسيطة.

سر القوة في المنطق الرياضي هو سهولتها وإمكانية تطبيقها على أي شيء في هذا الكون، بما في ذلك الذرة والمجرة، وكيفية عمل الدماغ البشري... الخ، ويعود الفضل في تقويض المنطق الرياضي البسيط لبناء أعقد الأنظمة للعالِم الرياضي البريطاني ألانألان تُورِنْگ «Alan Turing». علم المنطق قائم على حرفين يتعامل معهما أصحاب المنطق على أنهما ”صواب“ و”خطأ“، ويتعامل معهما علماء الحاسوب على أنها ”واحد“ و”صفر“، والمهم ليس كيفية تعريف هذين الحرفين الثنائيين ولكن في كيفية التعامل معهما. نحن نعلم أن الأرقام العشرية تخضع لبعض العمليات المعروفة مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة وما إلى ذلك، بينما حروف المنطق تخضع في الغالب لثلاث عمليات بسيطة جدا، وهي ”و“، ”أو“، و”ليس“ «AND، OR، and NOT». ”ليس“ عملية سهلة وهي عكس الحرف؛ ليس صواب = خطأ، ليس خطأ = صواب. أما ”و“ فهي مقارنة حرفين وإعطاء نتجة ”صواب“ في حالة إذا وإذا فقط كلا الحرفين ”صواب“، عدا ذلك النتيجة ”خطأ“. أما ”أو“ فهي على عكس ”و“ إذ تعطي ثلاث نتائج من الصواب في حال أن أي من الحرفين المقرونين ”صواب“، بينما تعطي ”خطأ“ في حالة أن كون المقرونين ”خطأ“. لتوضيح الأمور بصورة أبسط، الجدول المرفق يشير لهذه العمليات المكتوبة بالأحمر، وأصل الحرف المكتوب بالأزرق، ونتيجة العملية المكتوبة بالأسود. لاحظوا أن ”ليس“ لا تحتاج إلا إلى واحد من الحروف بينما ”و“ و”أو“ يحتاجان إلى حرفين ليتم مقارنتهما.

الحرف

ليس

 

و

صواب

خطأ

 

أو

صواب

خطأ

صواب

خطأ

صواب

صواب

خطأ

صواب

صواب

صواب

خطأ

صواب

خطأ

خطأ

خطأ

خطأ

صواب

خطأ

 
من خلال هذه العمليات البسيطة يمكن تركيب أي نظام معقد من خلال زيادة عدد الأحرف التي تشارك في العملية، وهذا ما أثبته ألان تُورِنْگ رياضيا، ولتوضيح الأمر، لو كانت عندنا ثلاث خانات فقط، فإننا نحصل على ثمان نتائج مختلفة كما هو موضح في الجدول الآتي:
 

الحروف

000

001

010

011

100

101

110

111

معناهم

صفر

واحد

اثنان

ثلاثة

أربعة

خمسة

ستة

سبعة

 
الجدول السابق يبين لنا كيف يتم تخزين الأرقام في قرص الحاسوب وذلك من خلال صف أرقام تتألف من صفر وواحد فقط؛ فلو أردنا تخزين أرقام من 0 إلى 15 فإننا لا نحتاج لأكثر من أربع خانات لتفي بالغرض، ولو أردنا تخزين عدد من 0 إلى 255 فإننا بحاجة لثمان خانات فقط، ولهذه الثمان خانات قصة حيث خصصها علماء الحاسوب من قبلُ لتخزين الحروف - من أ إلى ي - والأعداد - من 0 إلى 9 - وبعض الرموز مثل $ وغيرها والتي نراها في لوحة المفاتيح، ووجد العلماء حينها أنهم لا يحتاجون لأكثر من 8 خانات من الحروف الثنائية «أي لا تقبل إلا حالتين: 0 و1» للحصول على المطلوب، ولذلك أُطلق على الثمان خانات مسمى بايت «BYTE»، ومن ثم استخدم هذا المسمى لوحدة التخزين التي نشتريها من السوق إذ نذهب ونقول نريد شراء شريحة بسعة مليار بايت. الآن تعرف ماذا تعني بايت ولِمَ تمت هذه التسمية. الجدول الآتي «ركز فقط على اللونين الأزرق والأخضر» يوضح توزيع الأرقام ومعانيها في الحاسوب الذي يعتبر“a”تختلف عن“A”. كل هذا بفضل المنطق الرياضي البسيط جدا.
 
لاحظ أن الجدول السابق يضم أيضا حروفا غير مرئية وقد يكون بعضها مسموعا مثل الجرس، كما هو الحال لرقم 7 والذي يخزن في الحاسوب بصورة ثانية، أي بعدد من الأصفار والآحاد، ورقم سبعة يكتب ثنائيا كالآتي: 00000111.
 
بعد طرح هذه المقدمة المقتضبة والأمثلة البسيطة، علينا أن نعود أدراجنا للمنطق الرياضي الذي يعتبر في أصوله بسيط جدا ولكن من خلال هذه البساطة يمكننا تركيب أعقد نظام موجود على وجه الأرض، بل أن علماء الفيزياء يصيغون النظام الكوني بشكل ثنائي، أي من خلال البنية الأساسية 0 و1، ومنها يحاولون حل هذا اللغز العظيم الذي وضعه الله لكي نتدبر من خلاله، ولكي نعرف فقط كيف يوزع الفيزيائيون الكون إلى نظام ثنائي نذهل إذ أنهم يقسمون الأمور على حسب وحدة ݒلانك والتي يوجد منها «رقم لا يمكن نطقه بسهولة» 61873530503650538299715381759683 وحدة في الملم، وبما أن الفيزيائيين يستخدمون المساحة المربعة، فإن النانومتر «النانو جزء من مليار» المربع يحتوي على 3.83 وحدة مضروبة في عشرة 51 مرة، وعلينا فقط أن نتخيل درجة التعقيد لتخزين معلومات الكون الفسيح ثنيائيا وباتخاذ ݒلانك كوحدة عالمية. الحمد لله أن الفيزيائين اليوم يستخدمون هذه الأطوال والأبعاد لشؤون الذرة فقط، وإن قام ستيڤين هوكِنگ «Stephen Hawking» بالاستعانة بها لإثبات نظريته في الثقوب السوداء.
 
باستخدام المنطق الرياضي ابتدأنا من الأمور البسيطة وانتهينا بأعقد شيء في هذا الكون وهو ما يسميه العلماء ”الثقوب السوداء“ والتي هي بدرجة من التعقيد لا تسمح بهروب الضوء منها ليمكننا معرفة ما بداخلها، ولكن ما نستفيده هو أن ستيڤين هوكِنگ وأقرانه استخدموا المنطق الرياضي لحل أعظم لغز يواجه هذا الكون لأنه بسيط ومتاح للجميع ولكنه نظام دقيق جدا ولا يخطئ لأنه يحاكي أصغر وحدة ممكن التعامل معها في الكون، وهي طول ݒلانك، وما هو مطلوب منا أن نتعلم هذا النظام البسيط لنستطيع أن نحل به الكثير من مسائلنا بعيدا عن الاستنباطات التي قد تؤثر بها الثقافة التي درجنا عليها لأننا ندرس ونبحث ونتعلم لنتوصل للجديد وليس لِلَي رقبة النتائج لكي نثبت بها قناعاتنا والتي قد لا تصمد أمام المنطق البسيط. نعم، مصادر مشاربنا مختلفة ويكمل كل منا الآخر، ولكن المنطق الرياضي نظام ثابت ولا يخطئ ولا ينحاز لقناعات مسبقة ومن خلاله يمكن الوصول لنتائج لا تحيد عن الحقيقة قدر أنملة، أو بلغة الفيزيائين ”قدر ݒلانك“.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ماجد
[ القطيف ]: 15 / 12 / 2015م - 6:13 ص
الأيات يادكتور من سورة يوسف وليس سورة الجاثية
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.