آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:17 ص

الزمن من منظور الإمام علي (ع)

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ «55» - صدق الله العلي العظيم - المائدة.

الزمن من منظور الامام علي <img src= - مقال الهويدي" class="artcFigure" id="imgID_54033" src="media/lib/pics/1461694759.jpg" style="width: 350px; height: 283px; margin: 5px; float: left;" />دعاني شباب مدينة فورت كولنز في كولورادو بأمريكا لإلقاء كلمة بمناسبة ولادة أمير المؤمنين وقائد الغّر المحجلين ويعسوب الدين الإمام علي بن أبي طالب . قد يستسهل البعض الأمر، ولكن ماذا عسى المرء أن يقول في رجل لا يعرفه إلا الله ورسوله ﷺ؟ قد يُعطي أهل التخصص الإمام حقا أفضل في الوصف والشرح إذ استشرت أحد العرفاء منهم في تغطية الموضوع فوجهني نحو نهج البلاغة. بخصوص نهج البلاغة، يقول الدكتور الشيخ فيصل العوامي: ”لقد سجلت حلقات مرئية لشرح نهج البلاغة فأخذت الخطبة الأولى العديد منها، وعليه فإننا بحاجة إلى حلقات كثيرة وطويلة جدا لتغطية هذا الكتاب الدسم“. اطّلعتُ على الخطبة الأولى في نهج البلاغة فوجدت ما وجدت من البلاغة والعلم والغزارة والحاجة الملّحة للرجوع للمتخصصين، وكتاب مثله بحاجة على الأقل إلى فريق من عدة تخصصات لسبر أغواره، ومن ضمن هذه التخصصات الدين، واللغة، والعلوم التجريبية؛ ومنها اخترتُ فقط الجملة الأولى من هذه الخطبة العظيمة والتي احتاج إلى وقت طويل لأفهمها كلها كما يجب، فما بَالُ الاستخلاص منها أو التعليق عليها!

قبل الدخول في الموضوع، أهل البيت ، ابتداء برسول الله ﷺ، لهم مزايا خاصة ومراتب عليا لا يمكن الوصول إليها مهما حاول الإنسان، والعارف بحقهم منا يعلم حق اليقين أنهم أعبد العابدين وأزهد الزاهدين وأعلم العالمين وأكرم الأكرمين وأصدق الصادقين وأبلغ البلغاء وأحكم الحكماء وأوعظ الواعظين وأعرف العارفين وأشجع الشجعان وأسخى الكرماء إذ اجتمعت فيهم كل الصفات الحسنة بتميّز وتألّق، فبَعُدَ عنهم كل ما يسيء، فعندما يأتي الشجاع يجدهم أشجع منه فيهابهم، والكريم يجدهم أسخى منه فيصغر في عينه عطاءه، والعابد يتيقن أنهم أفضل منه عبادة فيتخلى عن العُجْبِ، والعالم يعرف أنهم أكثر علما منه فيجلهم؛ ومهما حاول أي امرئ عرض أعماله الخيرة والصفات المحمودة عليهم فإنه لن يصل إلى ما وصلوا إليه، وعلى ذلك يقدمهم العارفون لكي لا يضلوا الطريق. وطبعا، هناك صفات لم يستأثر بها أهل البيت ، وعلينا الاعتراف بذلك، لأن هذه هي الصفات الذميمة التي لم تجد لهم طريقا، مثل البخل والجهل والفجور والغدر وكل صفة قبيحة اتّصف بها أعداؤهم الذين وجدوا أنفسهم أكثر براعة في هذه الصفات البذيئة ومنها ظنوا بالقدرة على التقدم عليهم فضلوا الطريق، وأما الذين تأخروا عنهم فخسروا الدنيا وهلكوا في الآخرة.

في يوم الجمعة، وُلِدَ الإمام علي في بطن الكعبة فتلقفه رسول الله ﷺ في يوم الثالث عشر من رجب بعد ثلاثين سنة من عام الفيل. كان علي فصيلا للرسول ﷺ ولم يفارقه ساعة، ولم يقدر كل منهما على فراق الآخر ولو لبرهة، وكيف يفترق أصحاب النفس الواحدة؟! زقّ الرسول ﷺ العلم لعلي وهو طفل في المهد زقا حتى فتح له ألف باب من العلم تشعب لكل باب ألف باب. علي باب مدينة علم رسول الله ﷺ ومن يرد المدينة يأتيها من بابها. ومن التأكيد على وحدة النفوس، وُلد علي في حضن رسول الله ﷺ وانتقل الرسول ﷺ للرفيق الأعلى في حضن علي ، وفي الأمر دلالات وإشارات يستوعبها أولو الألباب.

قال علي في افتتاحية خطبته التي يذكر فيها ابتداءَ خلق السماءِ والأَرض: ”الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ“، إذ نريد أن نركز فقط على الوقت المعدود والأجل الممدود لندخل في شرح الزمن الذي حيّر ولا يزال يحيّر عقول العلماء. الإمام يقول خطبه ارتجالا ولا يخطئ أو يُلحن في القول بأفكار مترابطة ونسق مميز وبعلم غزير، وهذا يذكرني باجتماع أشخاص من حملة الشهادات العليا للقيام ببحث بسيط فلا يكون الإنتاج بأكثر من صفحة واحدة في الأسبوع، وبعد كل العناء والتعب، لا يخلو البحث من الأخطاء اللغوية والمنطقية والعلمية في أحيان كثيرة، ومن هنا يقدّر المتعلمون أمثالَ علي لأنهم مهما فعلوا لن يصلوا إلى ما وصل إليه، وما يقال في حق علي ينطبق على جميع أهل البيت ، خصوصا أصحاب الكساء، وعلى رأسهم رسول الرحمة والسلام محمد ﷺ.

علي سيد البلغاء ولا يختار من الكلام إلا ما يناسب. لغتنا العربية الجميلة تستوعب الفرق بين الوقت والزمن، ولكن اللغة الإنجليزية لا تستوعب هذا الفرق فيطلقون على الاثنين مصطلحا واحدا «time». الزمن تصّور وشعور ينشأ لدى الإنسان من ملاحظاته للتغيّرات في الأشياء سواء كانت حركيّة أو كيفية وقد لا يكون نسبيا، بينما الوقت أمر نسبي ولابد من مقارنته بشيء آخر؛ مثلا، مواقيت الصلاة تختلف من بلد إلى آخر نسبة إلى موقعها الجغرافي على الكرة الأرضية، كما أن للوقت بداية ونهاية، كوقت الامتحان الدراسي؛ مثلا، حينما يسحب المراقب ورقة الطالب ويقول له ”نفد الوقت“ ولا يقول له ”نفد الزمن“. ومن هنا يشير الإمام إلى أمر مهم جدا لم يتوصل إليه إلا آينشتاين في القرن العشرين وهي نسبية الأمور، وللوقت دلالة مهمة جدا لبداية الكون وذلك لانعدام الزمن قبل بداية الانفجار العظيم، ومن كثر قراءاتي عن الزمن باللغة الإنجليزية اختلطت عليّ الأمور حتى بِتُّ لا أميز كثيرا بين الوقت والزمن، وإنْ مَزَجْتُ بينهما فأرجو المعذرة والتصحيح من القراء الكرام.

احتار العلماء في تعريف ماهية الزمن؛ هل هو متواصل أو متقطع. دعونا نقف قليلا للتوضيح لأن هذه خاصية تحتاج لبعض المفاهيم الرياضية، ولكن قد تكون هناك طريقة أبسط للشرح. نحن متعودون على صعود الأدراج ونزولها، درجة درجة بشكل متقطع ويمكن عدّ هذه الدرجات وإحصاءها، ولكن في حال وجود أحد ذوي الاحتياجات الخاصة فإننا لا نستطيع استخدام الدرج، لذلك نحن مضطرون لاستخدام سطح مستوٍ ومتواصل لكي يستطيع هذا الشخص الصعود أو النزول. عندما نقول إن الزمن متواصل فهذا يعني أننا لا نستطيع تقسيمه إلى وحدات ومنها لا يمكن عدّ هذه الدرجات، أي أننا مهما حاولنا تقسيم الزمن، فأننا لا نستطيع الوصول إلى وحدة نعتمد عليها مهما كانت صغيرة لأنها تنقسم إلى ما هو أصغر؛ الساعة تقسم إلى دقائق، والدقائق تقسم إلى ثوان، والثواني تقسم إلى ما هو أصغر، وهلّم جرا ولكن لا نصل إلى رقم نهائي. عندما نقول إن الزمن متقطع فإننا ننتهي إلى درجة من الزمن لا يمكن تقسيمها إلى جزء أقصر، أي أن الزمن عبارة عن نبضات بوحدات صغيرة جدا يمكن حسابها وعدّها. علماء اليوم قد يميلون إلى أن الزمن متقطع وليس متواصلا وأن له نبضات، ولكن لم يحسم العلماء لغاية اليوم هذه الفكرة وإن اعتقد البعض منهم أنه لا يمكن حساب أي زمن تحت ثابت بلانك «Planck»، والذي قياسه يساوي تقريبا 5 يسبقها 43 صفر بعد الفاصلة جزء من الثانية. الإمام علي يشير إلى العدّ بدلا من القياس وقد يوحي أن الزمن ذو موجات ونبضات بدلا من أن يكون متواصلا، ومن يستطع اليوم أن يتوصّل لنتيجة حاسمة بأن الزمن متواصل أو متقطع يحصل على جائزة نوبل.

على أي حال، يطرح الإمام ما يحفّز عقولنا على البحث إذ انتبه وأشار لهذه الخاصية قبل قرابة 1400 سنة، وسواء أصبح الزمن متقطعا أو متصلا، يبقى الإمام أول من أشار لهذا البعد الخفي، كما أنه استخدم مصطلح الوقت الذي يشير إلى بداية ونهاية إذ يعتقد بعض العلماء اليوم أن الزمن كما بدأ وولد في لحظة سابقة فأنه سيتوقف يوما ما، ومنها ينتهي معه الكون، وقد يكون مصطلح الأجل، مَهْمَا اِمْتّد طوله، يشير إلى نهاية محتومة.

خطب الإمام علي ، وجميع أهل البيت الكرام، مليئة بالحكم والمواعظ وفي منتهى البلاغة ولا تخلو من العلم الذي سبق زمانها وقد تسبق زماننا نحن، لذلك وجب علينا أن نتفحص هذه الكنوز عن قرب لاستخراج نفائسها، وحبذا لو اجتمع على هذا المدّخر علماء من مختلف المجالات ليتم النظر لها من زوايا مختلفة ومتعددة وليشرح كلٌّ وجهة نظره، وبعد ضرب الآراء بالآراء نستطيع الخروج بنتائج أفضل يستفيد منها العالمون، وقد بدا لي جليا أنه لا يمكن لشخص، في أي مجال ومهما طال باعه، أن يستخلص قدر هذه الكلمات الماسّية دون الرجوع إلى خبراء من خارج تخصصه، ولي رجاء خاص للجميع وهو النظر إلى تراث أهل البيت من منظور علمي ومن زوايا مختلفة أكثر من أن يكون منظورا إعجابيا أو من زاوية واحدة فقط. سلام الله على أمير المؤمنين يوم ولد ويوم رحل ويوم يبعث حيا. اللهم بحق هذا العبد الصالح غيّر سوء حالنا بحسن حالك وارفع الغُمّة عن هذه الأمة ومكن لها دينك الذي ارتضيت.

في نقاش الموضوع قبل عرضه، أتت إحدى المداخلات من الأخ حسين عبد الله العيسى وأود مشاركتها مع القارئ الكريم:

في اعتقادي أن الزمن هو بعد كوني وفهمنا له مرتبط بنشأة هذا الكون وأيضا بنهايته وتلاشيه؛ وإذا ما نظرنا له من منظور رياضي فإنه يمكن القول: بأن الزمن عبارة عن فترة مغلقة من الأوقات المختلفة بدايتها وقت نشوء هذا الكون، ونهايتها وقت ضموره وتلاشيه.

بحسب المفهوم السابق: فإن أي وقت ما، لابد وأن يشير إلى نقطة ما في أي فترة زمنية، وبشكل بدهي فإن هذا الوقت سيشير إما إلى نقطة بدايتها تحديدا، أو إلى نقطة نهايتها، أو إلى نقطة في وسطها.

وحيث أننا كبشر لا نعلم وقت نشوء هذا الكون تحديدا أو على الأقل مختلفين فيه، فضلا عن وقت نهايته؛ فهذا يكفي منطقيا لاستعصاء حساب مدة الزمن الكوني وخروجه عن نطاق إمكاناتنا.

ولكن بالتأكيد أن ما يعصى علينا كبشر، لا يعصى على الله سبحانه وتعالى لعلمه التام بكل ذلك.

وعودا على الخطبة نستشف أن الإمام علي يؤكد على ما هو أكثر من ذلك فذلك الزمن الكوني القابل للعد من قبل الله سبحانه وتعالى لا تجري أحكامه عليه أصلا. فلا معنى لمفهوم العد مع وجود الله سبحانه؛ فما يرتبط بهذا الكون ينتفي معه. وسبب الانتفاء هذه المرة هو انتفاء وقتي البداية والنهاية أصلا، وليس لعدم العلم بهما. فلا وقت بداية يمكن عده وقراءته بحيث يبدأ معه قدمه وأزليته ولذلك يقول «الذي ليس لصفته وقت معدود»، وليس هناك وقت نهاية يمكن أن يكون حدا أقصى لأجله «ولا أجل ممدود».

وبذلك يكون الإمام علي قد أشار ونبه إلى ضعف الإنسان وضآلة قدراته عن حساب فترة زمنية محدودة فضلا عن استيعابه لفترة زمنية لا تعرف للحدود طريقا ومعنى.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.