آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

الفوضى تدعو للإيمان

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ «49» وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ «50» - صدق الله العلي العظيم - القمر.

افرض أنك تحاول أن تطبع كتابا عدد صفحاته 450، ولكن عندك مشكلة في هذه الطابعة التي تطبع ترتيب الأوراق على مزاجها دون الالتزام بالترتيب المحدّد لطباعة هذا الكتاب. في هذه الحالة، نسبة حصولك على كتاب مرتب كما يجب 1 على 10 أس 1000؛ يعني، عندك رقم ضئيل جدا وهو صفر وبعده فاصلة يليها ألف صفر ثم 1. يسمي العلماء هذه الظاهرة، التي تنضوي تحت ديناميكية الحرارة، مقدار الفوضى في نظام ما، ويطلق عليها اصطلاحا «entropy». معلوم أننا قد نقضي مليارات السنين ولا يمكن الحصول على كتاب بالترتيب المطلوب، ولو أردنا زيادة التعقيد تخيل أن ابنك أخذ هذه الأوراق وذهب يركض بها إليك ولكنها سقطت من يده متناثرة على أرجاء الحجرة، وفي هذه الحالة، كلما كبر حجم الحجرة زاد معها التعقيد حيث أن سعة المساحة «الحجم» يتناسب طرديا مع تعقيد النظام، ومنها تقل حظوظك في الحصول على كتاب سليم الترتيب. الآن، افرض أن هذه الطابعة تنفث حروفا كيفما اتفق، حينها ستعرف أن حظوظك للحصول على هذا الكتاب المرجو شبه مستحيلة.

يُقدّر علماء الفلك أن معدل أعداد المجرات يساوي تقريبا 150 مليار. في مجرتنا «درب التبانة» يقدر العلماء وجود ما يزيد على 200 مليار نجم، ولو افترضنا لكل نجم 10 أجرام تابعة «كواكب أو أقمار»، فإن مجرتنا تحتضن ما يقارب ألف مليار كوكب. يتوقع العلماء وجود 400 مليار مليار نجم في هذا الكون مقاربين لحجم نجم مجموعتنا الشمسية. التعامل مع هذه الأرقام الفلكية يؤذي الرأس ويأخذ قدرات دماغه إلى أقصاها؛ مع العلم أن كل مجرة تعتبر مجموعة من الموسوعات مختلفة عن بعضها البعض، وكل موسوعة بها العديد من المجلدات، وفي كل مجلد فصول وأبواب لا يشبه أحدهما الآخر، بل وكل باب يعطيك قصة متكاملة تمتع الناظرين والآذان.

تخيل فقط أن كل هذه المجرات والأجرام أتت من مكون واحد فقط حدث بعد الانفجار العظيم، وتخيل الأمر مثل طابعة تنفث حبرا بطريقة عشوائية ثم تعطيك المليارات من المليارات من الكتب المرتبة وبدقة متناهية وبأحجام مختلفة، من مجلدات حجمها صغير مثل مجرتنا الشمسية إلى موسوعات قياسها يقارب مليار في الحجم من شمسنا الدافئة؛ كلها مرتبة ترتيب دقيق جدا قد تؤثر فيه اختلاف ذرة.

آمل أن تكون الصورة قد وضحت الآن إذ أننا نستبعد أن تطبع هذه الطابعة كتابا واحدا ذا قيمة بينما تطبع طابعة الكون هذه الأعداد الفلكية من الكتب بدون أي شائبة وبدقة متناهية، وفي واقع الأمر، لا يوجد عاقل في هذا الكون يستبعد طباعة كتاب مُعَدّ ومنظم ومصفوف بأيدٍ عاقلة في حيز محدود جدا بينما يرجح أن هذه الكتب والمجلدات والموسوعات الشاسعة التي تملأ فضاءنا اللامحدود أتت من جراء نفث حبر بصورة عشوائية ولو أخذ الأمر مليارات السنين.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.