آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 6:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الفهم الغائب للتاريخ

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

قراءة التاريخ العربي والإسلامي لم تزل تعاني إشكاليات متكررة ومزمنة، ففي بدء الأمر كتب التاريخ كسيرة تمجيدية للحاكم، في المجريات والوقائع، وفي الولادة والموت وسببه. ولم يكن المجتمع والناس كافة إلا وهي تدور في فلكه، تطوف بتفاصيل حياته، تحضر إن لزم حضورها لرفعة شأنه، أو لإظهار نكاله وعذابه.

هذا المنشأ في كتابة التاريخ، والبحث فيه، جعله  مخزونا  لتمجيد الذات، وترسيخ عظمتها أمام  كل الحضارات الأخرى  وإنسان العالم. بوصفنا نحن أعظم، وأسمى، وأعلى، وأفضل دائما.. دون فصل ولا انقطاع، ولا تبدل ولا تغير، حتى حين رميت الكعبة بالمنجنيق، حتى حين حضر الحجاج بن يوسف الثقفي.. بكل طغيان قتله.. واستعباده.. واستباحته للشعوب الضعيفة، وتكوين سياسة الإنسان المقهور والمستعبد. وفرض الجزية على المسلمين وفرض الاستعباد أو القتل. والمرض الثالث الذي لم نزل نعانيه في قراءة تاريخنا العربي والإسلامي هو غياب علم النفس في القراءة للوقائع والأحداث والمجريات  بعد انتزاع  صفة تعظيم الذات منه، وتركيز العظمة فيه.

ولهذا تكرر عبر الأزمنة  صور متكررة  للحجاج، ولعبد الله السفاح، ولبسر ابن أرطأة، أنتجنا صدام حسين، ومعمر القذافي على مستوى الأفراد والحكام.. لأننا لم نفهم ولم نستوعب  لماذا ولا كيف.. ولا متى ظهر كل ذاك العنف؟ وكل هذه القسوة؟ وهذا العنف في أمة كانت فريضتها الواجبة أن تمثل خير أمة، وأن تكون شاهدة بين الأمم بالقسط، وأن تقيم في الناس العدالة والإحسان والرحمة!

ولأننا لم نفهم، ولم نستوعب، البواعث، ولا المولدات، لم تزل الأمة تعظم صدام حسين، وتعلي من شأن الزرقاوي، وأعادت إنتاج حسين الصياح  الحشاشين  في صورة الإسلام السياسي، وأحزابه، وهو التكرار ذاته لفرض  رؤية الجماعة  على الأمة والمجتمع ولو تطلب استعمال العنف، والقتل، واستباحة الأنفس، والأمن، والاستقرار، والحرمات.. وكما كانت الأسباب الفكرية، هي الأسباب ذاتها، والبواعث النفسية هي البواعث ذاتها.. والمبررات هي عينها.. دون تبديل ولا تغيير. والغريب أن النتائج لم تتغير.. حزب الدعوة الشيعي حين حكم العراق، لم يختلف كثيرا عن حركة الإخوان المسلمين حينما حكمت! على مستوى الممارسة والوعي وحجم عدم التأهيل، ورقة حال الاستقامة بعد الصعود للحكم، والوصول للسلطة.

ولذا تجد في الخليج وقبل غيره من العالم العربي  صدام شهيدا  والزرقاوي شهيدا.. وتتكرر ضلالة وغواية ”داعش“ و”القاعدة“ وكل الأحزاب السياسية التي توظف العقيدة والمذهب والتدين الساذج الذي يحمله البسطاء.. لتصنع منهم قنابل بشرية تتقرب إلى الله بقتل كل من لا يستحق القتل من الأبرياء الآمنين.

لو تجاوزنا تمجيد الماضين منا، ولو رجعنا للتاريخ ليس بوصفه صورة مثالية لوقائعه، وأحداثه ومجرياته، ولو توقفنا عن الانتقائية في الاختيار.. ورجعنا للفهم نوسع من مداه، ونقبض على الأسباب المنتجة، والظروف المساعدة، واختطاف الإسلام والمذهب للوصول بهما إلى السلطة، أو لقتالها بهما. موظفة البسطاء الذين لا يفرقون بين الناقة والبعير!

إن التاريخ كان يكتبه مؤلفه كتابا يحفظ فيه الوقائع  التي تهم من سيدفع له ثمن كتابه حين يرفعه  إليه، ولم يكن يكتبه في محاولة لفهم الأسباب والعلل، وعدم تكرار وقائعه المؤلمة وجرائمه الفظيعة!

هذا فقر مطبق إلا قليلا من كثير ممن سعى وبذل وأضنى نفسه ليروي لنا مجريات التاريخ العربي في نوازع النفس وانحراف السلوك وضلال العقائد وانطماس العقل. التاريخ من منظور علم النفس! هو الفهم الغائب الذي يجب أن نسعى إليه لكيلا نعيد إنتاج المقدمات ذاتها في كل مرة، ثم نظهر أنفسنا وكأننا مفاجأون من نتائجها.. هي نقطة البدء الأولى التي يعود إليها القلم في نهاية رسم الدائرة.