آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 10:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

حساوي في شيكاغو

محمد معتوق الحسين *

وأخيراً وصلت الرسالة المنتظرة من جامعة شيكاغو.

”تهانينا..“ تلك الكلمة التي يشتاق لها كل مبتعث. فرحت كثيراً، فلطالما أردت فرصة للدراسة في الخارج، وها هي إحدى أفضل جامعات العالم توافق على طلب التحاقي. فرحت.. ولكن سرعان ما تبدلت مشاعر الفرح بهواجس الخوف والقلق. فقد علمت أن الجامعة تقع في «الجانب الجنوبي»، أحد أخطر الأحياء في الولايات المتحدة الأمريكية، وأكثرها احتضاناً للعصابات والجريمة المنظمة. فيا فرحتي!

لُمتُ نفسي. لماذا لم أختر جامعة أخرى تكون في مدينة وحَيّ آمنَين؟ كيف لي - وأنا الحساوي المسالم - أن أعيش مطمئنّاً وسط غابة من الوحوش الضارية؟ كيف أحافظ على سلامة عائلتي ومالي من المجرمين؟ ولكن أكثر ما أرّقني كان مدارس عيالي، فكيف آمنُ عليهم وأرسلهم إلى مدارس الحي التي حذرتني كل المواقع الإلكترونية من خطورتها وكثرة الاعتداءات على الطلاب فيها؟

مسؤولة التسجيل.. «كارين»

قررت أن أتصل بالسيدة التي بشرتني بخبر القَبول، وأطلب مساعدتها. هُرعت إلى رسالة البريد الإلكتروني حيث وجدْت رقمها. ”مرحباُ كارين..“ جاءت كلماتي متلعثمة مرتبكة. شرحت ل «كارين» مخاوفي بخصوص تعليم أبنائي، وطلبت منها أن تنصحني بما عليّ فعله. صمتَت قليلاً، ثم قالت: ”دعني أرى ما يمكنني فعله. سأرد عليك قريباً.“

انتابتني خيبة أمل. شعرت بأن جوابها كان مجرد «تصريفة» للتخلص مني. أغلقت السماعة وقلت في خاطري: ”تباً لأولئك الكفار عديمي الأخلاق. صحيح أنها ليست مجبرة على مساعدتي في أمر خارج نطاق دراستي في الجامعة، ولكن ألم يمكنها على الأقل ذكر اسم مدرسة واحدة جيدة؟.. لو كنت مكانها لأظهرت أخلاقاً أرقى“.

في اليوم التالي.. استلمت رسالة من كارين. أقسم لم أصدق عينَيّ! قامت كارين بإعداد جدول تفصيلي لأفضل المدارس في محيط الجامعة، موضحةً كل معلوماتها المهمة كأرقام التواصل والمستوى التعليمي! قرأت الرسالة بعينين وفم مفتوحين بأقصى اتساع. ثم تساءلت: ”لو كنت مكانها، هل كنت سأفعل الأمر ذاته؟“.

في الجانب الجنوبي..

تيسّرت الأمور، سافرنا إلى شيكاغو، ووجدت مدارس ممتازة لعيالي، وبدأت دراستي في الجامعة. وكما توقّعت، كانت الأجواء في تلك المنطقة غير مطمْئنة، فلم يمر أسبوع دون أن نسمع أخباراً عن اعتداءات جرت في محيطنا. ذات يوم، كنت أتناول الفطور وأشاهد الأخبار، حين فوجئت بخبر جريمة قتل حصلت قبل ساعات، في شارعنا! بل حتى أنا لم أسلم، فقد فوجئت يوماً بأن «شكمان» سيارتي قد سُرق!

ورغم الهاجس الأمني، سَرت الأمور بشكل مقبول إلى حدٍّ ما، إلى أن فقدت محفظتي ذات يومٍ. تحسست جيبي، فلم أجدها. لابد أنها سقطت مني في الحافلة التي أقلّتني إلى الجامعة. سحقاً.. إن فيها جميع نقودي وبطاقاتي البنكية والثبوتية، حتى بطاقة الأحوال المدنية لم أكن قد أخرجتها من المحفظة منذ وصولي إلى شيكاغو! يا لحماقتي.. لماذا تركت كل تلك البطاقات في المحفظة؟

ج «زاك» الله خيراً

صرت كالمجنون، بقيت على الرصيف أنتظر وقوف أي باص، لأثب فيه وأبحث عن محفظتي، ولكن دون جدوى. اتصلت بشركة النقل أسألهم عن محفظة سوداء جلدية، لكن الموظف كان يخفي ضحكته، وكأنه يقول: ”ألا تعلم أنك في الجانب الجنوبي؟“ بقيت في الجامعة لساعات، ثم عدت حزيناً خائباً لبيتي. فتحت حاسوبي لأسلي نفسي قليلاً، ففوجئت برسالة بريد إلكتروني غيرت مزاجي مئة وثمانين درجة: ”مرحباً محمد.. لقد وجدت محفظتك في الباص... سأعيدها لك. تحياتي، زاك.“

وفي الساعة العاشرة مساءً، في ليلة ماطرة باردة وصلت فيها درجة الحرارة إلى 11 تحت الصفر، كنت في فناء السكن أنتظر بقلق قدوم «زاك». رأيت شبحه يقترب من الباب، دخل ثم نظر في وجهي وسأل: ”محمد؟“ قلت ”بلى“، وفي أقل من ثانية، سلمني المحفظة وقفل راجعاً دون أن ينطق بأي كلمة، أو ينتظر مني شكراً وعرفاناً.

تركني زاك في دهشة غامرة، وتساءلت من جديد: ”لو كنت مكانه، هل كنت سأفعل الأمر ذاته؟“

أهم شيء الأخلاق

بصراحة.. الجواب هو لا، ما كنت لأتصرف مثل كارين أو زاك. لو كنت مكان كارين، كنت سأساعد المتصل بمعلومة أو اثنتين، لكن دون أن أقوم ببحث شامل وكأن الأمر يخصني أنا. ولو كنت مكان زاك، كنت سأعيد المحفظة لصاحبها بالطبع، ولكن كنت سأعيدها في اليوم التالي بسبب المطر والبرد وتأخر الوقت، أو ربما كنت سأطلب أن يأتي هو إلى بيتي ليستلمها. وأظنني كنت سأمنّنه - بشكل غير مباشر - بأسئلتي السخيفة: كيف أضعتها هداك الله؟ أين عقلك؟ تأكد هل نقص منها شيء؟..

لطالما اعتقدت بأنني أحب مساعدة الآخرين، ولازلت أرجو أنني كذلك. لكنني تعلمت في شيكاغو أن للأخلاق مراتب ومستويات، فكما أن «فوق كل ذي علم عليم»، فإن «فوق كل ذي خُلُق خلوق». وقد تفوّق زاك وكارين كثيراً في مساعدة الآخرين.

قد يحسب المرء أنه على قمة الأخلاق والفضيلة لمجرد انتمائه للدين الحنيف، دون أن تنعكس تلك الأخلاق على سلوكه بشكل كامل، وقد يجسد آخرون تلك الأخلاق في أبهى صورها، هناك.. في الجانب الجنوبي من شيكاغو.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد ولد الداد
11 / 12 / 2016م - 6:14 م
مقال جميل
شكرا محمد
حفظك الباري انت واهلك وعيالك