آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شعوب الكاسيت

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

بين عامي 2007 و2010 مرّت موجة حقوقية عارمة في عواصم العالم كله. بدا الأمر وكأن الضمائر المنفصلة اتصلت سريعاً حتى بالسياسيين المشتبه بتورّطهم في قضايا متشعبة تمسّ حقوق الإنسان. صحيح أن هناك اتفاقيات وبروتوكولات حقوقية دولية سبقت الموجة بسنواتٍ طويلة، لكن الدعايات نشطت في السنوات الثلاث وفرّخت «ناشطين» و» ناشطات» في كلّ مكان. لكن الدعايات الدولية تراجعت كثيراً منذ بداية عام 2011، مع أن الربيع العربيّ كان ميداناً خصباً للنشاط الحقوقيّ الميدانيّ، وبيئة حاضنة لإبراز الالتزامات الدولية إلى الواجهة الإعلامية، وتكثيف التثقيف بآلياتها الإقليمية والدولية. خاصة في الدول المرتبطة بآليات إقليمية، مثل تونس ومصر بالذات. فهاتان الدولتان لديهما توقيعات على بروتوكولات وليس على اتفاقيات فحسب. العالم الأول الذي نشّط سفاراته ومؤسساته الاستخبارية منذ 2007 ظهر متراخياً في تعاطيه مع القضايا الحقوقية التي أفرزها الربيع العربيّ، وكأنه يقول لثلة من المنظمات المستقلة «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون». أين الإنسانية الفائضة من دموع السفارات؟ وأين المقررون الخاصون؟ وأين المراقبون؟ وأين الراصدون؟ وأين هذا كله من مجلس حقوق الإنسان الذي تحتضنه الأمم المتحدة؟

تحوّلت دعايات العقد الأول من الألفية الجديدة إلى إجراءات حكومية نمطية في المؤسسة الدولية في وقتٍ أحوج ما تكون فيه الشعوب إلى دعم الحراك الحقوقيّ، ولولا صمود شعوب الربيع وإصرارها «الثوريّ» لتضاعفت الفاتورة الحقوقية أكثر. هذا لا يكشف نفاق العالم الأول فحسب، بل يكشف عمق سذاجة العالم الثالث أكثر. ويفضحُ عقلية «الكاسيت» في المجتمعات العربية، وهي عقلية يمكن التسجيل عليها في أيّ وقت، بحيث يمحو التسجيل الجديد كلّ التسجيلات السابقة، ويمكن محو التسجيل الأخير بتسجيل جديد أيضاً. حقوق إنسان، ديموقراطية، عرقية، شعوبية، شرق أوسط جديد، أفلام رعب، إخوان، سلفيون، سنة، شيعة، إرهاب، ثوار.. وكل تسجيل يمحو ما قبله.