آخر تحديث: 21 / 11 / 2018م - 11:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ابني يبحثُ عن جامعة!

يجدُ المتعلمُ فرصتهُ في الحياةِ ولو بعدَ حين وتبقى الفرصُ منفيةً وبعيدةً عن الجاهل. جاهلُ اليومِ ليس بالضرورةِ الذي لا يعرف شيئاً، ربما يعرف الكثيرَ ولكنه لا يملكُ الدليلَ على معرفته. كُلُّنَا يولدُ ويعيش على أرضِ بلدٍ ما وبحكم مولده يصبح مواطناً ولكن ليس قبل أن ينضم إلى سجلاتِ وقيودِ الدولة. ولَّى بِكُلِّ تأكيدٍ الزمنُ الذي ولد فيه آينشتاين وأرسطو وغيرهم من العلماءِ ولم يكن لديهم جامعاتٌ تعطيهم ورقةً مطرزةَ الحواف وتقول لهم أنتم اجتزتم مراحلَ الدراسةِ العليا.

ليس غريباً أن سوقَ العملِ لا تكفيه معرفةُ المرءِ بعملٍ تحتاجه المؤسساتُ التجارية أو الخدمية بل يحتاج شهادةً عليا لأن من يمر بمصاعبِ الدراسة يعرف أن الجامعةَ لا تعطيه درساً في الهندسةِ أو المحاسبةِ فقط ولكنها تعطيه درساً في كيفيةِ التفكيرِ وحل مشاكلِ العمل وهو ما يطلبه صاحب المؤسسة. هذا يشبه تعلم السباحةِ عندما كنا صغاراً في بساتين النخيل، بركة لا تزيد مساحتها عن تسعةِ أمتارٍ مربعة لم تعطينا درساً كيف نقطع المحيط ولكن كيف ننجو من الغرقِ في البحر.

بُنَيَّ تأتيكَ النصائحُ من كُلِّ جهةٍ فلربما وجدتَ فيما كتبتُ ما ينفع وإلا لم يضركَ ما قرأت:

أولا: مرحلةُ ما بعد الثانوية تعطيكَ فرصةً في الوظيفةِ أكبر وأسرع منه فيما لو اكتفيتَ بشهادةِ الثانوية. يتجه آلافٌ من الطالبينَ لسوقِ العملِ لوظائفَ لا تكفيهم كلهم ويكون لزاماً على من يوظف أن يختارَ من يراهُ أصلحَ للعملِ عنده.

ثانياً: إن حصلتَ على وظيفةٍ بعد الثانوية أو المعاهد فأنت من المحظوظين ولكن تأكد أنكَ كنتَ سوفَ تحصل على راتبٍ أعلى وفرصة أوثقَ للرقي في الوظيفةِ عندما تكون لديك شهادة جامعية.

ثالثاً: ربما تضطركُ الأيامُ أو تختارَ أنتَ العمل خارجَ بلدك حينئذٍ الشهادةُ الجامعية أو ما بعدها هي جوازكَ للحصولِ على فرصةِ عمل.

رابعاً: ليست الجامعةُ سوى مكانٍ يعلمك البحثَ وحل المشاكلِ وعندما لا تجد الفرصةَ التي كنت تحلم بها عندما اخترتَ ما درسته في الجامعةِ سوف تأتيك الفكرُ في شيءٍ يعوضك عما ضاعَ ولو من خلالِ ابتداعِ مشروعٍ يكون أول لبنةٍ اقتصادية تبني عليها.

خامساً: مهما تختار من موضوعٍ للدراسة في الجامعة لابد لك من اجتيازه بتميزٍ أو أفضل ما تستطيع من الدرجات. لا يكفي أن تكون لديك ورقةً مطرزةَ الحوافِ من الجامعة وبها دوائر حمراء! نكون في الجامعةِ في نضارةِ شبابنا وأحلى أيامَ حياتنا حتى كأننا لن يكون لدينا سوى المسراتِ عندما نخرج من الجامعة. سنواتُ الدراسةِ تشبه مرحلة بذر الفلاح حَبَّ الزرعِ الذي سوف يجنيه، يَحْلُمُ ويبتسم عندما ينثره  في الأرضِ وتبقى العبرةُ فيما يحصل عليه عند الحصاد.

لا يلومنا أبناءنا على ما لم نعطيهم إياه من لعبٍ أو أكلٍ متى ما قدمنا لهم ما استطعنا ولكن سوف يلوموننا إن لم نأخذ بيدهم ليحصلوا على ما يشقونَ به الطرقَ الصعاب في المستقبل وهو العلم والشهادة. ليس مكتوباً علينا أن نسافر في الدنيا أو نجمع المال لشراءِ السيارةِ الجديدة أو ما لا نحتاج من المتاع ولكن علينا إن أرغمتنا الأيامُ صرف مالنا في تعليم أبنائنا ألا نتردد.

بُنَيَّ: إن ما يقدمه لك والديكَ هو ما قضوا زهرةَ شبابهم في جمعهِ وكانوا مثلك يحلمونَ ببيتٍ جديد أو سفرٍ بعيد ولكنهم  آثروا أن يصرفوهُ على تعليمك، اجعلهمْ فخورين بك...

مستشار أعلى هندسة بترول