آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 5:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

زوايا مثلث المآتم

حسين الزاهر *

أهدف من خلال هذه الدقائق أن يستمتع القراء الأعزاء بطيّات المقال ويخرجون بفائدة وثمرة فقهية عقائدية حول بعض جوانب المآتم الشريفة المباركة.

بين الفينة والأخرى، يكتب بعض المؤمنين انتقاداتهم، والتي أصابوا في بعضها ولم يصيبوا في البعض الآخر. فهدف الانتقاد البنّاء الموضوعي هو الرقّي بالمنبر الحسيني والحفاظ على قدسيّة المآتم الشريفة.

وفي كلّ مرّة يكون نصيب الأسد من الانتقاد، موجّه للخطيب، كونه ربّان السفينة لنصف ساعة تزيد وتنقص، وهو يرتقي الأعواد الخشبية الشريفة. لا ننكر وجود بعض مرتادي المنبر الحسيني، ممّن تنقصهم الخبرة، أو تنقصهم المعرفة، أو ما شابه، ويتم وضعهم في مآتم رئيسة أو على منابر مربيّة ولكنهم يتحملون مالا يطيقون فلا تتمّ المعادلة متزّنة. وهذا ما أشار إليه المرجع الديني السيد محمد صادق الروحاني حفظه الله عندما توجّه السؤال بأنّ المنبر الحسيني اليوم، ليس فعالا كالأمس، فأجاب صان الله مهجته: أنّ المشكلة ليست في المنبر بل فيمن يعتلي المنبر.

إلا أنّ هذا لا يعني التعميم على جميع الخطباء، بل المعني هو من لم يؤدِ الخطابة الحسينية على أكمل وجه، بتماميّة أركانها كما ينبغي. وإلا كما قال أبو الصلت الهروي رضي الله عنه قال: سمعت أبا الحسن الرضا يقول: «رحم الله عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: كيف يحيي أمركم؟ قال : يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا. بحار الأنوار ج 2 - 30

لكن قبل أن ننتقد هذا الخطيب «قليل التحصيل»، فلنتوقّف أمام مَن أتاح له الفرصة ليمارس هذا الدور العظيم. من أهم زوايا مثلّث المآتم الشريفة: هم أصحاب المآتم والقائمين عليها. هؤلاء أشخاص لديهم توفيق إلهي وعناية من أهل البيت ليكونوا سببا في اجتماع المؤمنين، ومصداقا لما ورد عن الإمام الصادق مخاطبا الفضيل ابن يسار: يا فضيل أتجلسون وتتحدثون؟ قال الراوي نعم، فقال له الإمام: إنّ تلك المجالس أحبها، أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا» بحار الأنوار، ج44 - 282. صاحب المآتم هو عنوان خارجي للوعد الإلهي الذي قالته عقيلة الطالبيين في الشام: «فوالله لا تمحو ذكرنا».

ولهذا المقدّس المرجع الميرزا جواد التبريزي ذكر ثلاث نصائح مخاطبا بها أصحاب المآتم، وهي: عليهم أن يدعوا من له اطلاع على المعارف الدينية، وذكر المصائب من الكتب المعتبرة، وأن يحافظوا على حرمة المآتم من التصفيق ونحوه مما يُعدّ لهوا، فإنّ اللهو لا يناسب حرمة مقام الأئمة وأهل البيت . الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية - 208.

لكن أصحاب المآتم، عليهم أن يتعلموا آداب هذه العبادة العظيمة، التي هي محطّ انظار المعصومين، وأماكن تتبرّك بها الملائكة. صاحب المآتم عليه أن يشكر الله لتوفيقه لهذه النعمة، ولا يكترث لكثرة الحضور أم قلته. صاحب المآتم، عليه أن يسعى لرضا الله وأهل البيت، لا لما يرضي الناس أو ما يطلبه المستمعون. صاحب المآتم لا يسعى خلف الخطيب الذي يجلب عددا كبيرا من المستمعين، أو من له صوت عذب، وهو من غير المحصلّين. صاحب المأتم عليه أن يقصد أهل العلم ليميزوا له الأجدر والأنسب للمآتم الشريفة ليقوم بتأدية الوظيفة على أتمّ وجه. صاحب المأتم، كما يطلب الثواب والبركة، عليه أن يطلب التربية الفقهية، العقائدية، الأخلاقية لمرتادي المأتم، فهو مسؤول بين يدي الله عزّ وجلّ.

ومن جهة أخرى، ننتقل للزاوية الثالثة في مثلث المآتم وهي المستمع. فعندما أصعد المنبر الشريف، فإنّ طبقات المستمعين متفاوتة، ومتباينة، سواء بالنسبة للجنس بين ذكر وأنثى، أو لمستوى التعليم أو غيرهما. فهل المستمع حددّ هدفه قبل أن يقصد هذا المأتم أو ذاك؟ هل المستمع يقصد الخطيب الذي يتكلّم بلغته وفي مستواه ليحصد أكبر قدَر ممكن من الفائدة؟ أم يقصد الخطيب الذي يتكلم بلغة لا يفهمها. هل المستمع يقصد الخطيب المشهور أم الخطيب النافع، المربّي، الذي تمّت تزكيته من أهل العلم العارفين؟ هل قام المستمع بالتحضير أو المطالعة للمطلب الذي سيطرحه الخطيب؟ «يوجد عدّة من الخطباء يضعون جدولا يحوي عناوين محاضراتهم قبل إلقائها». هل قام المستمع بمراجعة بعض المصادر التي تعينه على إيضاح ما طرحه الخطيب بعد انتهاء المأتم؟

نعم، زوايا ثلاث: زاوية الخطيب، زاوية صاحب المأتم، زاوية المستمع. يجب أن تكو ن الزوايا الثلاث متناسقة، ومنسجمة ومتكافئة لنحصد الثمرة من المآتم الشريفة المباركة.

وإذا كان هنالك نقد بنّاء، لخطيب، أو لصاحب مآتم أو لمستمع، فعلى المنتقِد أن ينصحه ويناقشه سرا، لما ورد عن أمير المؤمنين «من وعظ اخاه سرا فقد زانه ومن وعظه علانية فقد شانه» أعلام الدين في صفات المؤمنين - ص‏179. وعلى أصحاب المآتم أن يأخذوا آراء أهل العلم لتحديد الأنسب والأجدر من بين الخطباء. وكذلك على الخطباء أن يقوموا بدور التحضير العلمي المتقَن، ويكسروا الحاجز بينهم وبين المستمعين، وذلك لإيصال المطلب بشكل أسهل وأبسط، وكلما زادت الألفة بين الزوايا الثلاث، زادت المعرفة، وتعرّف الخطيب أكثر على ما يحتاجه المستمع، والمستمع يتقبّل من الخطيب أكثر، ويحظى صاحب المأتم بثواب السائل والمجيب.

وأختم المقال بهمسة: ما يعانيه المأتم، هو راجع لمعصية إحدى الزوايا الثلاث لوصايا وتوجيهات مراجع الدين أدام الله ظلالهم. فإنهم وبشكل دوري يوجّهون الخطيب، وصاحب المأتم والمستمع.

قال الله العظيم ﴿وقل اعملوا وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سورة التوبة آية 105

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبدالله
[ العوامية ]: 10 / 8 / 2018م - 6:26 م
شيخ حسين، من طلاب العلم والخطباء المجدين، سواء اكاديميا فهو خريج جامعة البترول بمرتبة الشرف الثانية، وممن له شان عند اهل العلم، وكذلك امام جماعة عدنا في البلد. الله يوفقه ويكثر من امثاله
2
ابو زينب
[ القديح ]: 17 / 8 / 2018م - 3:39 م
أكبر مشكلة تواجه المنبر الحسيني في هذا الزمان - حسب نظري القاصر- هي أن الناس صارت تحضر المجالس "للثواب" لا لأجل التعلم ؛ فالغالبية العظمى من الحضور تريد أن تبكي على الحسين ع لأن البكاء يغفر الذنوب ؛ اما موضوع المحاضرة فلا يلتفت إليه إلا القلة القليلة من الناس ؛ و حتى هذه القلة القليلة لن تجد فيهم من يأخذ موضوع المحاضرة بجدية ليطبقه على حياته و يحسن جوانب النقص فيها ...
إمام مسجد الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) بالعوامية