آخر تحديث: 18 / 9 / 2018م - 10:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحدث بين المؤرخ والصحفي

محمد الحرز صحيفة اليوم


الاختلاف حول الوقائع والأحداث والأفكار التي جرت في تاريخ المجتمعات هو أمر طبيعي لا انفكاك منه على الإطلاق. فالناظر في مدوّنة المؤرخين على اختلاف مشاربهم وتنوّعها يراهم متفقين على أمر واحد، هو شرعية اختلافهم في النظر إلى أحداث الماضي، وأجلى سبب كما يراه أغلبهم هو أن الحدث حين يرويه المؤرخ لا يرويه انطلاقًا من الفراغ، فهو واقع تحت مؤثرات عدة أولها ثقافته وطريقة تفكيره وأسلوبه الذي يؤثر على شكل الحدث وبنيته التركيبية في ذهنية المتلقي. ولنأخذ المثال التبسيطي التالي: عندما ترى شخصين يريدان أن يرويا لك نفس الحدث أو نفس القصة المشهورة في تراثهما. لكن الأول حظه في التعليم قليل، بينما الآخر أكثر تعلمًا وثقافة. فإن شكل القصة وإخراجها بالتأكيد سوف يختلف عند كليهما. والاختلاف عند هذين الشخصين العاديين يكون أقل وطأة حين يقع بين مؤرخين يعيشان في ذات العصر وهما متسلحان بالمعرفة والثقافة والموقف المضاد لكل واحد منهما.

ثاني الأسباب مؤثرات الزمن، فكلما تقادم الحدث في الزمن يصعب الحفاظ على بنيته الأساسية أو لأقُل: يصعب استرجاع الحدث كما هو على أرض الواقع. فمثلًا حينما تقرأ قصة ما عند مؤرخ من القرن الأول الهجري وتبحث مرة أخرى عنها عند مؤرخ آخر عاش في القرن الثامن أو التاسع فإنك ستلاحظ تغيّرات قد طرأت على عناصر القصة أو الحدث. وعليه لن تجد شخصين يتطابق كلامهما عن مرويّة واحدة سواء أكانت شفهية أو مكتوبة. ناهيك بالطبع عن مؤثرات أخرى كالبيئة الجغرافية والاجتماعية والعادات والتقاليد وحدود ثقافة العصر.

هنا أصل للسؤال الذي أود طرحه الآن: إذا كان العالم أصبح بفضل التطور التكنولوجي والتقني واقعًا تحت أنظار قاطنيه في كل لحظة وثانية، فما يجري من أحداث في أقصى بقعة في الأرض يشاهدها سكان العالم في لحظات، وإذا كان الصحفي هو المعول كثيرًا على نقل تلك الأحداث من خلال الكاميرا، فهل سيؤدي هذا التطور إلى أن يحتفظ الحدث بهيئته كما وقع بلا زيادة أو نقصان، وكما تنقله لنا عين الكاميرا دون تدخّل من الصحافي أو من تقاريره الصوتية المصاحبة؟! يقال في الدراسات التاريخية إن الصحفي الآن أخذ موقع المؤرخ في الثقافة المعاصرة، وأصبح يقوم بوظائفه ولو بصورة جزئية. لكن هل يعني ذلك أن الحدث أصبح أكثر حصانة ضد مؤثرات الزمن؟ لا أظن. قد يبدو صحيحًا من الوهلة الأولى أن الحدث لن يحتفظ بحرارته في الذاكرة كما بحرارته في ذاكرة الكمبيوتر أو الدسك توب، فالأولى كما قلنا يقع الحدث عندها تحت طائل النسيان والفقد أو التحريف والتزوير، بينما الأخرى يكون الحدث مصونًا ضد كل تلك العوامل. لكن من جهة أخرى لا يمكن أن نغفل أن الأحداث التي تنقل للمشاهد من أنحاء العالم عبر شبكات التلفزة ليست بريئة، سواء كان ذلك مقصودًا أو عفويًا، فالذي يحرّك الكاميرا لينقل الحدث يملك من الأهداف والمقاصد والتوظيف للمصالح ما يجعل الحدث واقعًا تحت طائل التغيير، وهذا يكفي للقول: انفلات الحدث من كل محاولة لتثبيته في الزمن.