آخر تحديث: 18 / 11 / 2018م - 7:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

قبور أنارتها اليقظة‎

ورد عن رؤبة بن مصقلة قال الإمام الحسن المجتبى : اللهم ارحم صرعتي، وآنس في القبر وحدتي» «تذكرة الخواص ص 213».

تذكير المرء بسنة إلهية جرت على العباد وهي حلول المنية بغير سابق إنذار يؤقت لها، هو تنبيه له من رقدة الغفلة وضياع بوصلة العمل في زحمة الانشغال بالدنيا والعلاقات المتنوعة، فرأس مال الإنسان هو أنفاسه المعدودة عليه إلى أن تتوقف، فكم من مضيع لثروته يعاب عليه ذلك ويعد سفيها لا يترك له حرية التصرف في ماله، ألا يعتبر تضييع الأوقات الثمينة وتفويت فرصة استثمارها بإعمارها بعمل صالح ينفعه في يوم معاده، أكثر سفها وضعفا في التفكير وقد لحقته الندامة والحسرة يوم يقف بين يدي الحساب، فلا يملك إلا تمنيا مستحيلا بطلب الرجوع إلى الدنيا مرة أخرى، عاطيا المواثيق بترك السيئات ومبديا العزم على الانطلاق في ميدان الطاعة بكل قوة واقتدار لا يعتريه الملل والتسويف، ولكن هيهات!!!

شتان ما بين من ارتمى في أحضان معشوقته الدنيا وقدمها على كل شيء في فكره ووجدانه، وأصبح حطامها الزائل محركا لكل خطوة أو عمل يقدم عليه، فنسي معاده ومفارقته لهذه المأنوسات المحببة لنفسه فكان يوم فراقها صعبا لا يطاق ولا يتحمل وقعه!!

وأما من عاش هذه الحقيقة - مفارقة الدنيا وحلول المنية - في وجدانه وخالدة في ذهنه، فكان أفول شمس يومه مؤذنا له بختام يتعامل على أساسه أن يكون آخر لحظات عمره، فأقفل حساب حقوق الناس وجدد علاقته بربه مزينا لها بالتوبة والانكسار، فما كانت لحظة حلول المنية إلا كشربة ماء كما ورد في الأخبار، فلا تصيبه الغربة والوحشة وقد أحاط به عمله الصالح ينور قبره ويدفع عنه المخاوف من البيت الجديد الذي حل فيه، فقد أشاد وافترش قبره بزاد يرجو من ربه القبول، وكله ثقة برحمة ربه وشفاعة الأطهار أن تشمله ألطاف الرحمن.

وتلك اللحظات الصعبة تكمن أهوالها بخوف من المؤمن للعدول عن الحق وسوء العاقبة، فلا اطمئنان عنده لمجرد استمراريته على إتيان الصالحات، فيغره الشيطان وينفخ من روح الأنانية عنده فيهلكه.

ولحظات يعود فيها إلى الضعف بأدنى درجاته لا يقوى فيها على الحراك قبل أن تخرج روحه، فمن كان في قلبه ذرة كبرة أو إعجاب بنفسه وازدراء بالآخرين فليتصور هذه اللحظات التي لا يملك فيها حولا ولا قوة، وإن صرعه مرض أو أقعده إعياء وتعب كان ذاك مذكرا لمن كان قلبه وضميره واعيا رشيدا، أما صرعة الموت فهو السقوط المدوي الذي لا زوال له، بل هو مقدمة لحياة أخرى لم يألفها ولا يتحملها من استأنس فؤاده بملهيات الدنيا وزخارفها السرابية.

فراق الأحبة في الدنيا لغربة تمتد فترة زمنية قصيرة تعد غصة وألما يعصف بالنفس، فكيف هو الفراق عنهم الذي لن يروه بعدها إلا خيالا يطوف بأذهانهم فبعد العين أضحى أثرا وسيرة، وفي ساعات الشدة يسند ظهره لاقرب الناس إليه من أرحامه وأصحابه، وها هو اليوم في شدة ما بعدها شدة قد تركوه بعد تشييعه وقبره ودفنه وحيدا يواجه ويستقبل نتائج عمله وعواقبه، فيسأل المؤمن ربه أن يحيطه بألطاف منه في ساعات الفراق وما بعده، فيرحم ضعفه ووحدته ويؤمن روعته، فاولى البشائر سلام الملائكة وبشراها للمؤمن، وتحضر الأرواح الطاهرة لمحمد ﷺ وأهل بيته يظللونه بالسكينة ويرفعون عنه وحشة القبر، وأعماله الصالحة أنوار في قبره تدفع عنه الظلمة وتبعث في نفسه إشراقة الأمل بالله تعالى.