آخر تحديث: 18 / 11 / 2018م - 11:58 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وظيفة المتخيل في الثقافة المعاصرة

محمد الحرز صحيفة اليوم

في كتابه «الجماعات المتخيلة» ضمن سعيه في تحليل فكرة القومية المتخيلة في أوروبا، حدد بندكت أندرسن عاملين اثنين ساعدا على تشكل هذه الفكرة وترسخها بين المجتمعات الأوروبية. أول هذه العوامل الرواية وثانيها الصحف. فالرواية بعد أن تخلصت من عالم الأساطير والبطولات الخارقة والحكايات الشعبية انتقلت بعد مراحل بطيئة إلى عالم المدينة بشخوصها العاديين وحياتها البسيطة، إذ استتبع ذلك في الانتقال من الزمن المسيحي إلى فكرة التزامن والتي تعني أن أسلوب القص نبه وعي القارئ إلى وجود حياة أشخاص متزامنين معنا في الواقع اليومي ليس بالضرورة معرفتهم معرفة مباشرة. ولكن يمكن تصور وجودهم والتفاعل مع أحاسيسهم وأحزانهم وأفراحهم من خلال القص. كذلك وجود الصحف وانتشارها في أنحاء أوروبا عزز الفكرة على تصور أناس آخرين لا يربطهم رابط على مستوى الحياة المعاشة. لكن أخبارهم وقصصهم تكون متجاورة في صفحة واحدة من الجريدة، مما يخلق هذا الإحساس المشترك للمتخيل الجماعي.

حدث مثل هذا الأمر منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي حينما كانت المجتمعات الغربية قد بدأت تتحول إلى مجتمعات حداثية حيث بدأت الاكتشافات العلمية تشق طريقها وتؤثر بصورة أو بأخرى على تطور المعرفة والعلاقات الاجتماعية والأنظمة الاقتصادية، وشكل التواصل البشري وتشكل الدول ومؤسساتها. لكن ما أرمي إليه من خلال سرد الأهمية التي حظي بها عاملا الرواية والصحف في بناء متخيل أوروبي عن قوميته حسب وجهة نظر بندكت أندرسن هو هيمنة المتخيل وفاعليته في جميع مجالات الحياة المعاصرة الراهنة مقارنة بارتباطه أول الأمر بفكرة المتخيل القومي. فالفرق شاسع هنا بين متخيل يعمل على وصل الناس من خلال الأنظمة اللغوية ومن خلال أساليبها السردية المتنوعة حول فكرة مثلما هي القومية هنا وبين متخيل لا ينفك تأثيره يتوقف عند حدود اللغة «الرواية والصحف» بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك، بفضل ما توفر له من وسائل فنية بصرية متطورة سواء كان ذلك على مستوى السينما أو الأزياء أو الفنون التي ترتبط بالسوشال ميديا أو الإعلام الجديد. فإذا كانت وظيفة المتخيل فيما سبق خلق جماعة متخيلة تحت مسمى القومية بحيث لعبت دورا كبيرا في بناء هوية جامعة للمجتمع في أوروبا فإن وظيفة المتخيل الحالي هي تفتيت الهويات وتشظيها في أفق لا يتسم سوى بالفوضى وانتهاك الحدود. حتى الحقائق الثابتة في تاريخ أي مجتمع لم تعد بمأمن من تأثيرات المتخيل عليها. خذ على سبيل المثال الأفلام التي تعيد إنتاج حياة الأشخاص التاريخيين وقصصهم أو تلك الأفلام الوثائقية التي تؤرخ لحوادث معينة ومهمة، أو تلك الأفلام التي تكون مادتها وموضوعها الأساس من حياة الناس الواقعية، فجميعها لا تخلق تصورا متماثلا عند جميع المتلقين حتى يمكن أن نقول إنه كان عامل تجميع، بل إن المتلقي في عصر الثقافة المعاصرة - ليس مثلما هو في الماضي - هو خاضع للكثير من المؤثرات البصرية والذهنية، وهي مؤثرات متنوعة ومتعددة بتعدد المتلقين أنفسهم. لذلك إذا افترضنا أن المتلقي واقع تحت تأثير صورة متخيلة عن طريق الأفلام فإن صورة أخرى متخيلة عن طريق السوشال ميديا تلغيها أو على الأقل تصطدم معها، وهنا يحدث كما قلنا التفتيت وليس الجمع في وظيفة المتخيل في لحظتها الراهنة.