آخر تحديث: 19 / 1 / 2019م - 11:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

حساسية مفرطة

أمير الصالح

حتما بل ويقينا لكل منا ذكريات طريفة او صعبة او محرجة لمواقف مع اناس يوصفون بالحساسية المفرطة. ساسرد بعض المواقف لتقريب الصورة.

موقف رقم «1»

قبل عدة ايام، كنت أتجول في معرض الأيام للكتاب في دولة البحرين، واسترعى انتباهي مشاركة دور نشر من دولة غربية «شمال امريكا». وقفت أمام معرض دار النشر تلكم واسترعى انتباهي وجود معظم المطبوعات مطبوعة باللغة العربية وهي صادرة من ذات الدار. فأبتدأت بتناول أطراف الحديث مع اخد الاشخاص الجالسون خلف طاولة الكاونتر وهو شخص ذو ملامح عربية خليجية ولكنه مميزة. وبعد توجيه عدة استفسارات من طرفي عن الكتاب العربي وسعة انتشاره في تلك الدولة الغربية وآليات نشره، لاحظت شي مميز في ردود ذاك الشخص وتاكيد تنصله من عروبيته وحساسيته المفرطه من إلصاق الإنتماء العربي لشخصه!

وكان ذاك الرجل كثير الترديد لكلمة... ”أنا من إمريكا الشماليه... أنا مو عربي.... أنا من إمريكا الشمالية!!!“

استرعى ذاك التأكيد المفرط لإنتمائه لشمال إمريكا وتنصله من إنتمائه العربي

انتباهي وانتباه بعض رواد المعرض ممن كانوا قريبين من المشهد. توقفت عن الإستمرار في المحادثة معه وإكتفيت بالقول له سأطلع على موقعكم من خلال الإنترنت وإستودعته، وانصرفت لـ دار نشر اخرى في داخل المعرض.

موقف «2»

أدخلت إبني الصغير قبل عدة أعوام لعيادة الأطفال باحد المستشفيات الكبرى بالمنطقة وكانت دكتورة في الأربعينيات من عمرها من جنسية عربية من الشمال الافريقي تعمل بها؛ فور دخولي لغرفة العيادة، قرأت السلام عليها، ثم استرسلت بالقول ”يا مدام.... إبني الصغير هذا يشتكي من ألم في اسفل بطنه“، فباغتتني بتعليق صاعق من ردة فعلها وتعليقها على كلمة ”مدام“... وقالت بصوت مرتفع... ”أنا آنسه مش مدام، ايه هو انت ما عندكش نظر!!“

أخذت أفكر لبرهة في الرد المناسب لهذا الوضع. وعلى الفور رددت عليها بالقول... ”يبدو اني قد أخطأت العنوان، فقد أتيت هنا للبحث عن عيادة لابني وليس للبحث عن زوجه لنفسي“.

ثم انصرفت خارج العيادة متجها نحو الإستقبال لنقل الملف لعيادة أخرى في نفس المستشفى وفي ذات الوقت تقدمت بشكوى على تلكم الدكتوره لفرط حساسيتها أو لوجود عقدة نفسية في ذاتها غير معلنه او اضطراب سلوكي تمارسه بين الحين والاخر.

موقف «3»

”جود مورننج ورحمة الله“، هكذا كان يرددها بمجرد مرور جاره، المنهك بالعمل، في الشارع ذهابا او ايابا. ويسترسل ذات الجار بتأليب الاخرين عليه، بالقول جهارا نهارا ”الكبر لله، ترى سلمنا بس ما سمعنا الرد منكم“، او القول ”تم ارسال بطاقة تهنئة بيوم الجمعة لك، بس ما سمعنا منك رد، فبطلنا نرسل لك حتى لا نكون مزعجين في وجهة نظرك“. ”صار لنا اشهر ما نشوفك، لا يكون عرست على زوجتك وسكنت مكان ثان“

من تلكم الامثلة نستشف حجم الإفراط والتفريط الطافحة على السطح في يوميات بعض ممن قد يحيطون بنا في الشارع، العمل، المستشفى، السوق، السفر، المدرسة، الحديقة، الحي... الخ.

من الحكمة حيثما نواجه مثل تلكم النماذج، ان يستدرك كل شخص منا الخطوط الحمراء في العلاقات مع كل الاطراف، والحرص على ترك مسافة آمنة بينه وبين المحيطين له لتجنب اي سوء فهم، ومعرفة مواطن الانصراف اللائق وايضا استدراك حقيقة ان لكل شخص مداخيل وتركيبات عقلية ونفسية مختلفة.

وهناك من هو شديد الحساسية، وهناك من هو شديد التشره، وهناك من هو شديد التوثب لخلق عداوات او قطع علاقات. فلنكن شديدي الحرص على ايجاد مواطن الراحة النفسية ومراعاة البناء النفسي مع المحيط البشري الذي نعيش فيه بالقدر المستطاع وابتكار طرق ذكية تقلل التصادم ويوقف كثيري الحساسية المفرطة عن استفزاز هدوؤنا، لانه لا يمكننا خلق ايا من البشر بالكيفية التي تتماشى مع قيمنا وثقافتنا وأسلوبنا في الحياة.