آخر تحديث: 24 / 6 / 2019م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

ضد الكاتب الواقعي

رجاء البوعلي * صحيفة الرأي السعودي

منذ نشوء منهج الواقعية في الأدب، دارت «الطاحونة» بين أتباع المثالية والواقعيين، وانطلقت الاتهامات بعيدًا عن التأكد والمعرفة بجوهر العقلية الواقعية، فجاءت الرسائل لاذعةً ومازالت بعناوين مختلفة، منها: هتك القيم والمثل العليا، ذريعة للاستهتار الأخلاقي، والكثير غيرها. يقول «بلزاك»: إن المجتمع الفرنسي سيكون هو المؤرخ، أما أنا فلست إلا مجرد سكرتير.

وهذا ترسيخ لدور الأعمال الأدبية الواقعية في حفظ تاريخ المرحلة وتوثيق ملامح الإنسان ثقافيًا وفكريًا واجتماعيًا ضمن لوحة تصويرية مكتملة. إذ إن الكاتب الواقعي مؤرخ أمين ووثيق الصلة بالحياة الجارية حوله، يعتقد بتمازج الأضداد والمتناقضات في الذات الواحدة، ولهذا يقدم شخصياته الإنسانية المتحركة في العمل الأدبي والفني، وهي تمارس الفضيلة كما الرذيلة على حد سواء، دون انتصار لرأيه الشخصي، بل بتسليط كامل الضوء على الحدث الواقعي بأي صيغة يجيء.

هتك القيم والمثل العليا، هي دعوى تلاحق الكاتب الواقعي وتعرضه لغضب إحدى السلطات أو كلها، وذلك بتعريته لصور الفساد علانية وتعليقها على حبل المشاهدة المرئية والمقروءة، ولكن هذا هو منهج النقد الاجتماعي الذي يظل يرى الواقع كما هو وليس كما يريده أن يكون، وهنا تكمن المواجهة مع المثاليين الذين يصرون على استبعاد الجانب المظلم من قلب الحدث بتفخيم النصف المضيء ليعكسوا واقعًا مائلًا لانحيازهم للمشهد الحياتي.

إن عصب الواقعية هو النقد الاجتماعي والذي يفكك العوامل ويبرز تأثيرها على الإنسان، وهذا ما قد يزعج أنصار المثالية الذين يطالبون - تصريحيًا أو ضمنيًا - بالصمت عن الإشارة للسواد الإنساني والاجتماعي، بينما يرى الكاتب الواقعي أن في الانحياز خيانةً عظمى لا تصدر من محب، ونحن في سياقنا الاجتماعي نوافق ذلك دون أن ننتبه فنقول: صديقُك من صَدَقَك لا‌ من صدَّقك. وهنا نؤكد على مصداقية النقد والنظرة الموضوعية وننفيها عن الاصطفاف الانحيازي.

تتجلى رحمة الواقعية في اعتقادها بأن الإنسان «مفعول به» تحت وطأة الظرف السليط، وليس دائمًا سيقدر على بعث الحياة نحو العالم كما يعتقد المثاليون.

يقول «ديستويفسكي»: يطلقون على خطأ الكاتب السيكولوجي بينما أنا في حقيقة الأمر واقعي بأسمى ما تعنيه الكلمة، إذ إنني أصور أغوار النفس البشرية العميقة.