آخر تحديث: 23 / 5 / 2019م - 6:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

البساطة في التجربة الإنسانية

محمد الحرز صحيفة اليوم

أنت لا تستطيع أن تغير قناعاتك طالما كانت حياتك صندوقا مُقفلا لا يسمح الاقتراب منه، أو كانت حجارة صلدة تقاوم كل حركة تريد زحزحتها من المكان، أو مجرد قطار واقف في محطة مهجورة ولا يسير.

مثل هذه الحياة تملؤها البساطة من الداخل: بساطة الضحكة التي تعلو ثغر الأطفال، بساطة الكلام العابر الذي تسمعه وأنت تمشي في سوق مزدحمة بالناس، بساطة الأبواب العامة التي يدفعها الناس عند الدخول أو الخروج دون الانتباه إلى الأثر الذي تتركه الأيدي على ذكرياتها. بساطة الرصيف الذي لا يشكو ولا يتألم، لا من الضجيج أو من الوحدة في سكون الليل وبرودته، أو الشمس وحرارتها اللاهبة.

وكأن البساطة هنا لا تعني شيئا آخر سوى الامتثال لما تقوله لنا طبيعة الأشياء في الكون، أو ما يفرضه العالم من حولنا من استجابات لا مفر من الخضوع لها، كل حسب قوة إرادة تلقيه لها أو ضعفها.

الحب - مثلا - نتلقاه بوصفه امتثالا لنداء الطبيعة، كذلك الحزن أيضا. لكن درجة تلقيه عند كل إنسان هي التي تحدد طبيعة البساطة التي نعنيها هنا.

في القواميس اللغوية العربية اشتقاقات الكلمة حسيا دائما ما تكون متصلة بالبيئة التي تحيط بالإنسان العربي في حياته اليومية قبل انتقالها للتعبير عنها في تجارب شعورية وروحية إنسانية، فأحد المعاني المشتقة من كلمة «حبّب الشيء: هو تحول إلى حبيبات «تحبّب الملح - السكر»، أو تحبّب الجلد: خرجت فيه حبيبات وبثور، أو تحبّب الماء: ظهرت عليه الفقّاعات.

هذا المعنى في الظهور والتحول يدل على انتقال الشيء من حال إلى حال، يصاحب هذا التحول تغير في طبيعة الشيء حسب عناصره المكونة له فالجلد يختلف عن الماء وهكذا. بالمقابل، بسبب تعدد التجربة الإنسانية في الحب، ليس بالمعنى الكمي، وإنما بالمعنى النوعي، كان التعبير عنها يعتمد على نوعية العلاقة القائمة بين الحبيبين - ولا تقتصر العلاقة فقط على الحبيبين بل هي تمتد إلى كل علاقة لها ارتباط بالكون والمطلق وأشياء العالم -، فإذا كان المحب لا يستطيع التخلي عن محبوبه ويقدم له التضحيات يسمى عاشقا، وإذا غاب المحبوب عن ناظره غابت السعادة عنه وأصابه الحزن يسمى «الوله»، وهي منزلة في الحب أعمق من سابقتها، وهكذا هناك درجات في الحب تصل عند العرب إلى أربع عشرة درجة حسب المعاجم والقواميس. وهناك في تراثنا العربي العديد من قصص الحب التي تشير إلى مثل هذه الدرجات في معنى الحب.

الخلاصة التي نصل إليها هي كالتالي: كلما كانت تجربة الحب بوصفها تجربة كونية أعمق حسب درجات المعنى كانت البساطة أوضح وأكثر امتثالا، وبالتالي أسرع استجابة لنداء الطبيعة في دواخلنا، وما ينسحب على ظاهرة الحب ينسحب أيضا على بقية الظواهر كالحزن والكراهية.. إلخ.

لكن السؤال العالق هنا التي تأسست عليه المقالة هو: ما الرابط بين مفهوم البساطة وانغلاق الحياة من جهة، وثبات القناعات عند الإنسان من جهة أخرى؟!

الرابط هو سببي بالدرجة الأولى، فالبساطة سلاح ذو حدين، فإذا ما ذهبت فيها التجربةُ الإنسانية إلى العمق وضربت أطناب الروح كانت الممكنات الإدراكية والشعورية والمعرفية عاطلة عن العمل بالقدر الذي يتاح لها فيه أن تجدد حياتها وتذهب فيها إلى كل الاتجاهات.

أي بكلمة بسيطة: المأخوذ في حياته مثل هكذا تجربة، فإن كل قواه الروحية والمعرفية مستنفدة الطاقة، ولا تضفي على حياته نوعا من الانفتاح، وهذه أحد الأسباب الكبرى غير المباشرة في معنى الانغلاق التي تؤثر على قناعاتنا في الحياة.