آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إنسانٌ في شَرَك

أنت تعرف أن يَدَ الخالق صنعتك من طين، صحيح؟ إذاً، لابد للطينِ أن يعودَ يوماً لأحضانِ الثرى طينَا. أنت تعرف أنك طائرٌ، صحيحٌ؟ إذاً، سوف ينثر لك الصيادُ حبَّاً في شَرَك. أنا وأنت أسميناه قَدَر!

في أغلب الأحيان التي أرى فيها صديقاً لم أره منذ مدة، أو لعله شخصٌ ما التقينا حيناً ثم افترقنا، أول سؤالٍ بعد التحايا هو: هل تركت العمل؟ أم لا تزال؟ في الأيامِ والشهورِ الأولى كنت أنزعج من السو?ل وأهرب إلى الإجابة بكلماتٍ مزورة مثل: إجازةٍ طويلة أو عما قريب أترك العمل أو توليفةٍ ما من أعذارِ التورية. ربما كانت زوجتي في انتظاري في السيارة ورأت تقطيب وجهي وسمعت تمتماتِ التذمر التي تخرج من شفتيَّ المضمومتينِ على حنق وتسألني ألاَّ أكترث! كنت أرى أن من يسألني هو إما يسألني كم عمري؟ أو يؤمن بأنه عليَّ الركون والراحة بالخصوص إن هو انزوى عن العمل اليومي.

 لكن بعد مدةٍ اختفى كل ذلك الانزعاج ولم أعد أكترث للسو?ل أو أعدَّ الأيام، وربما بادرتُ أنا بالمعلومة وإخبار من ألتقي قبل أن يسألني بأنني تركتُ العمل ولكن لم أغادر الحياة. لم أعد أهتم بعددِ الأيام والسنين ومن السخريةِ أنني في بعضِ الأيام لابد أن أنظر الروزنامة لمعرفةِ تاريخ اليوم. صدقني لا يهم حجم الإناء في ثمن ما نملأه ونضع فيه، ولا تهم السنين إلا بما نفعل فيها وليس ما تفعل بنا. كم من شخصٍ عاش مائة سنة وكأنه عاشَ يوماً واحداً، وكم من شخصٍ عاش سنينَ قليلة ولكنه أنجز الكثير!

ليس علينا نقل الصخر ولا إزاحةَ الجبال عن مراسيها حتى نكون عملنا ما تذكره الأيام من بعدنا. يكفي أن نربي ونعلم ونصادق ونعين من نستطيع، ويكفي عندما يسمع اسمنا الناس بعد الرحيلِ لا يبتدرون ذكرانا بالشتمَ أو اللعن. كلنا جئنا للدنيا مرغمين دون اختيار ونتركها مرغمين دون اختيار وبين فعلينِ من الجبر كثيرٌ من أفعالِ الإختيار التي هي لنا إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا!

لي صاحبٌ من الفلاحين القدامى لديه سريرٌ من خشب ومخدة قطنٍ بالية ينام عليها في ظلالِ النخيلات ساعةً بعيد الظهر. أداعبه بالسؤال: كيف تستطيع النومَ على هذه الخشبة الصلبة؟ يقول لي: هي يومان أقضيها على هذا السرير الخشن أو على آخرَ مغطى بالخزِّ والحرير. وبعد دقائق يقوم، أسأله إلى أين؟ يقول: هناك عملٌ وحياةٌ تنتظرني!

مستشار أعلى هندسة بترول