آخر تحديث: 22 / 8 / 2019م - 1:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

الانتهازية.. الواقعية

محمد أحمد التاروتي *

يتعامل البعض مع الملفات الشائكة بنوع من الواقعية، ومحاولة التعاطي معها بمسؤولية كاملة، بحيث يتضح على التحرك الجاد لايجاد المناخات المساعدة، لتجاوز العراقيل والوصول لحالة من الوئام والتوافق، لاسيما وان ”صب الزيت على النار“ يحمل في طياته الكثير من المخاطر، وبالتالي فشل محاولات تطويق الاثار في مساحة محدودة، الامر الذي يدخل الكثير من الأطراف دون إرادة، او رغبة في أتون معارك حقيقية، ”حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل“، مما يؤسس لحالة من الانقسام الحقيقي، يصعب التكهن بتداعياته على النسيج الاجتماعي، والبنية الفكرية في المرحلة الزمنية اللاحقة.

التعاطي بواقعية ينم عن رؤية ثاقبة، في التعامل مع الملفات المعقدة، فالنظرة السطحية او غير المسؤولة تكشف عن قصور في التفكير البنيوي، خصوصا وان الواقعية تفرض انتهاج سياسة واضحة، وغير استهتارية تجاه المعالجة الحقيقية والدقيقة، لاسيما وان التفكير المسؤول يستدعي اتخاذ خطوات جادة، باتجاه إيجاد الوسائل لتقريب وجهات النظر، او محاولة وضع قواعد قادرة على تطويق القضايا عند حدود، تفاديا لانتشارها افقيا وعموديا في البيئة الاجتماعية، مما يقود لاحداث خلل كبير في التماسك الداخلي، او نشوب خلافات حقيقية، وبالتالي فان النظرة السطحية تشكل معضلة كبرى، في تناول القضايا الاجتماعية القائمة، مما يسهم في تفاقمها وانتشارها بشكل سريع، مع غياب المساعي الجادة لمعالجتها بطريقة عملية.

النظرة المسؤولة تنطلق من الإحساس بضرورة وجود أطراف قادرة، على التدخل لإطفاء الخلافات في مهدها، وقبل انتشار لهبها في جميع الاتجاهات، خصوصا وان التحرك المسؤول يساعد في سد جميع الثغرات، ومحاولة إيجاد الحلول المشتركة، والمعالجات ذات الأثر الإيجابي، وبالتالي فان التحرك الواقعي يهدف الى احداث حالة من الهدوء، وعدم الإخلال بالتوازن الداخلي للقوى الاجتماعية، لاسيما وان التباطؤ في التعامل المسؤول يعطي فسحة زمنية لدى احد الأطراف، لاحداث خلل من التوازن الاجتماعي، مما يعني الدخول في دوامة المساومات والابتزاز، على خلفية امتلاك النفوذ، على حساب الشرائح الاجتماعية الأخرى، حيث تكمن خطور إخلال التوازن الاجتماعي، في التداعيات المستقبلية على التعايش الداخلي، وبروز النزعة الاستعلائية لدى بعض الفئات الاجتماعية، على حساب النسيج الجامع بالمجتمع.

فيما النظرة الانتهازية بمثابة المعول لهدم البناء الاجتماعي الداخلي، اذ تحاول بعض الأطراف استغلال الظرف الطارئ في توسيع الشرخ في المجتمع، من خلال اعتماد سياسة ”الاصطياد في الماء العكر“، عبر استخدام الكثير من الوسائل، والمزيد الأساليب غير المشروعة، بهدف تحقيق الأغراض والمآرب الشخصية، فعوضا من انتهاج اصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر، للقضاء على الفتن في مهدها، فان هذه الشريحة الانتهازية تعمد لتأليب البعض تجاه الاخر، من خلال استخدام الخطاب التحريضي، واثارة النفوس والأحقاد، مما يساعد في إشعال النيران في النفوس، واحداث خصومة كبرى، بمعنى اخر، فان التحرك الانتهازي يكشف جزء من الامراض، التي تحرك أصحابها تجاه البيئة الاجتماعية، لاسيما وان الانتهازية من الامراض الاجتماعية الخطيرة، التي تسبب في حدوث نزاعات وصراعات، لا تقف تداعياتها عند حقبة زمنية او شريحة اجتماعية محددة، بل تتجاوز الإطار الزمني بمسافات طويلة، فهذه النوعية من الامراض تحدث انقسامات كبرى، في الجدار الاجتماعي الواحد.

تبقى الواقعية الحل السحري لتجاوز العراقيل، التي تعترض بعض الملفات الشائكة، باعتبارها البلسم الشافي لايقاف الانقسام الداخلي، خصوصا وان تفشي الخصومة يقضي على المساعي الخيرّة في رأب الصدع، فيما الانتهازية تدفع لمفاقمة الأوضاع بغرض تحقيق مكاسب خاصة على حساب الصالح العام، مما يستدعي الوقوف بحزم امام الرغبات الانتهازية ذات الأغراض الخبيثة، والمنطلقة من أمراض داخلية، التي تعشعش في صدور أصحابها لأسباب مختلفة ومتعددة.

كاتب صحفي