آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 10:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السعوديون الشيعة: عاشوراءُ آمنةٌ.. واعتدالٌ يتسيد

حسن المصطفى * صحيفة إيلاف الإلكترونية

كان موسما هادئا، مر بسلام، دون دوي عمليات انتحارية من ”داعش“ التي استهدفت قبل سنوات مساجد وحسينيات المسلمين الشيعة شرق السعودية.

​العناصر ”الإرهابية“ الهاربة، من بقايا خلايا ”العوامية“، هي الأخرى غُلت يدها، ولم تتجرأ على استهداف رجال الأمن، الذين انتشروا بيقظة في مختلف مدن وقرى محافظة القطيف، طوال موسم عاشوراء، الذي أحياه السعوديون الشيعة، في أجواء من الروحانية والسكينة والطمأنينة.

​التواصل البناء

​العناصر الأمنية كانت حاضرة بالقرب من الحسينيات والمساجد، لحمايتها من أي هجمات محتملة، ولتنظيم السير، وسط تواصل وتنسيق دائمين بين الأهالي والجهات الرسمية. ممارسين دورهم في خدمة المواطنين، الذين أوصت القيادة السياسية للمملكة، بصون كرامتهم، ورعاية مصالحهم، وكفلت لهم حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بشكل طبيعي وحر، تحت سقف القانون.

​هذه الطمأنينة ما كانت لتتحقق، لولا تظافر جهود عدة جهات: إمارة المنطقة الشرقية، محافظة القطيف، أمن الدولة، قوى الأمن.. ومعهم وجهاء القطيف ومسؤولي الحسينيات والمواكب، والأهالي. وهو ما يثيت أن التواصل البناء بين المواطنين والمسؤولين، باستطاعته أن يخلق بيئة عمل صحية، ويدفع بالمشاريع المشتركة نحو النجاح.

​عودة الفقيه

​منذ بضعة سنوات، وموسم محرم في محافظة القطيف، يشهد غياب آية الله السيد منير الخباز، أحد أبرز علماء الدين السعوديين الشيعة، وواحد من الخطباء المشهود لهم بالعلم والفقاهةوالفصاحة، ليس على نطاق المملكة وحسب، بل في الخليج العربي.

​الخباز الذي يتمتع بشعبية واسعة، خصوصا بين الطبقة المثقفة المتدينة، التي تعلقت بأطروحاته لسنوات طوال، سواء في مسجد ”الإمام الحسين“ بساحة ”القلعة“، أو مسجد ”الإمام علي“، وحسينية ”السنان“.. الخباز غاب عن مريديه لسنوات، كان خلالها منشغلا بالتدريس في الخارج، وإلقاء المحاضرات في عدة دول خليجية، وعواصم ومدن أوربية.

​وجود السيد الخباز في الخارج أكسبه مزيدا من الخبرات، وجعله يواجه الكثير من التحديات المعرفية، ويقف على تجارب مختلفة، من شأنها أن تعيد تشكيل ذهنيته الفقهية والثقافية. وهو أمر في غاية الأهمية، خصوصا إذا استطاع تحويل ذلك من المستوى النظري إلى الاستنباط الفقهي، القائم على إعمال العقل، وتقديم احتياجات إنسان العصر وقيمه ومعارفه، وتجاوز جمودية النص ومحدوديته، والتحرر من القيود الكلاسيكية الحوزوية.

​هذه التجربة الإيجابية على المستوى الشخصي، لآية الله الخباز، لم تكن كذلك لجمهوره، الذي اتسعت الهوة بينه وبينهم - شيئا ما - بسبب طول الغياب. وجعل الساحة الدينية معرضة لخطابات ماضوية، تفتقد الرصانة العلمية، وخلق فراغا تصارع عليه تجار الدين وباعة الوهم!.

​بقاء السيد الخباز في السعودية خلال موسم محرم، ومشاركته في الفعاليات عبر محاضراته في مسجد ”الحمزة“ بمدينة سيهات، وحسينية ”السنان“ بمدينة القطيف، لاقاه متابعوه في منتصف الطريق بسرور، ومدوا له القلوب والعقول معا.

​الحضور الجماهيري الحاشد الذي اكتظت به الساحات، لمحاضرات الخباز، دليل على أن الناسفي القطيف، تواقون إلى الطرح الوطني، الثقافي، المعتدل، البعيد عن الغنوصية، والطائفية، والخرافة، والتحريض المجاني. وهو ما تجلى في تركيز السيد منير الخباز على شخصية النبي محمد بن عبد الله، الذي هو ركيزة الوحدة الجامعة لعموم المسلمين بمختلف مذاهبهم. ساعيا إلى عدم الجمود داخل الدائرة الشيعية، وحسب، بل تجاوزها إلى مساحات أكثر سعة.

​تنوع الخيارات

​ربما يكون الخباز هو من تسيد المنبر الحسيني هذا الموسم، إلا أنه لم يكن الوحيد الذي شهد إقبالا جماهيريا. فقد كان هنالك حضورشعبي أيضا لدى شخصيات علمية أخرى، مثل الشيخ حسن الصفار، الذي امتاز طرحه بالتركيز على المفاهيم الثقافية، ومخاطبة جمهور يتجاوزالمتابعين المحليين، محاولا صياغة خطاب يجمع ولا يفرق، يكون مقبولا لدى عموم السعوديين.

​الشيخ فوزي السيف هو الآخر، كان له مستمعوه. وإن جاء من حيث الطرح العلمي وتأثيره على المستمعين، ثالثا بعد الخباز والصفار.

​بالتأكيد هنالك خطباء آخرون، سعوا لتقديم محاضرات تتسم بالبحث العلمي، والتجديد - وإن داخل الدائرة الدينية -. وهم طبقة جديرة بالدراسة، لمعرفة مدى تأثير خطابها، ومقدار تماسكه وجدته، وإذا ما كان يكتنز تغييرا حقيقيا، أم مجرد تبدل شكلاني، لذات المفاهيم القديمة!.

​الراغبون في العاطفة، والباحثون عن ”الدمعة“، لديهم خياراتهم التي يلوذون بها. وهم جمهور واسع من عامة المعزين، الراغبون في المثوبة، أكثر من بحثهم عن العلم والمعرفة.

​ساحة مسجد ”الإمام الحسين“ وسط ”القلعة“ التاريخية، تراها تكتظ بالشبان، فيما تتصاعد أصواتهم بالنحيب مع الشيخ مصطفى الموسى.

​الشيخ عبد الحميد الغمغام، وملا عبد الحي قمبر، لديهما صوت شجي، ونغم حزين، يجعلان قلوب من يحضر مجالسهما تتفطر بالبكاء، وكأنهم في كربلاء!.

​وبين هؤلاء وهؤلاء، عشرات المجالس الحسينية، التي يتصف أكثرها بالكلاسيكية في الطرح، والاقتصار على ذكر مناقب آل البيت وأحاديثهم. دون أن نغفل وجود شريحة من علماء الدين أصحاب الخطاب الماضوي، المتشدد، الذي يجنح للخرافة، ويبتني على التلقين وتغييب العقل، وهو الخطاب الذي يحول عاشوراء من حدث تاريخي، إلى أسطورة غيبية متعالية.

​الفعل الثقافي

​سنويا، تشهد محافظة القطيف، شرق السعودية، مساعي تحديثية، لإخراج مناسبة عاشوراء من طابعها القديم. ولذا، يجهد البعض لإقامة معارض للكتب، والفنون التشكيلية، والعروض المسرحية، والحملات الطبية للتبرع بالدماء للمستشفيات.

فيما كان لافتا هذا العام دعوة الشيخ محمد عمير، لإدخال الموسيقى ”الحلال“ في مراسم العزاء الحسيني!.

​هذه الجهود رغم محدوديتها، إلا أنها مهمة، وتستحق الدعم. فهي تروم أن لا تجعل من الإمام الحسين بن علي، مجرد دمعة جوفاء لا معنى لها. وإنما، تسعى لأن تعزز المُثل التي ارتبطت ب ”نهضة الحسين“، متمثلة في العدالة وإعلاء قيمة الحق.

​النقد العلمي

​إن حادثة مقتل الإمام الحسين وآل بيته واصحابه في كربلاء، لها وقع في وجدان المسلمين كافة، والشيعة خاصة. وبالتالي فإن محاولة تخطيها، أو القفز عليها دون الالتفات لمفاعيلها، أمر متعسر، بل سيؤدي لنتائج سلبية، تعزز من التيار الطقوسي المتشدد.

​أفضل طريقة لإعادة صياغة ”كربلاء“، هو التركيز على قيمها الإنسانية، وتفعيل عاطفتها باتجاه دفع المؤمنين للانخراط في صناعة الحياة والمستقبل، لا الاستغراق في الماضي، والاندكاك في الواقعة بشكل عبثي عدمي لا معنى له.

​من هنا، من المفيد دفع النقاشات ذات الطابع العلمي، السوسيولوجي، التحليلي، الذي يفسر الرموز، ويكشف ما ورائيات الخطاب، ويقرأ الأحداث ضمن سياقاتها التاريخية، وتجربتها البشرية، واثر تلك السردية على المؤمنين في هذا العصر، وكيف ساهمت في تكوين ذهنياتهم، ووجهت سلوكياتهم.

​إن ”كربلاء“ ليست حدثا سماويا مجردا. وهي ليست مشيئة ربانية صرفة. ويخطئ من يكرر ”شاء الله أن يراني قتيلا“، أو ”شاء الله أن يراهن سبايا“، كما ينقل الخطباء عن الإمام الحسين. ففي ذلك نوع من الجبر والإكراه المتعالي، المنافي لطبيعة الإنسان الحرة.

​وهنا، على المثقفين أن يتحلوا بالمناقبية والجرأة العلمية والأدبية، في قراءتهم لسردية عاشوراء وطقوسها، ونقد شيء من تمظهراتها البدائية، التي يمارسها البعض بجهل، او تعصب، أو عناد أحيانا. لأن ترك الساحة لرهط من ”الغوغاء“، سيؤدي إلى العماء المعرفي والديني.

​خفوت الطائفية

​السياسة الحازمة التي اتخذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تجاه الأصوات المتطرفة، عندما أعلن صراحة أنه ”سوف ندمرهم اليوم وفورا“، انعكست بشكل إيجابي على موسم ”عاشوراء“. حيث كان ملحوظا أن الخطابات المذهبية تراجعت حدتها، وخفت نبرة فتاوى التكفير التي تطال المسلمين الشيعة في كل موسم. وذلك بفضل المواقف الصريحة للقيادة السعودية، وفي طليعتها الملك سلمان بن عبد العزيز، والذي أكد في أكثر من مناسبة رفضه لـ ”التصنيف“ بين المواطنين وما يثير الفرقة، وتأكيده على أن السعوديين جميعهم سواسية.

​السعودية تعيش اليوم تحولا حقيقيا وملموسا، في مجالات اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، دينية، مختلفة. وهذا التحول من شأنه أن يعزز من التنوع الثقافي والمذهبي، ويجعله عنصر قوة، ودليل على تجاور الثقافات، وقدرتها على التعايش، وحقها في التعبير عن ذاتها بحرية ووضوح، تحت سقف القانون الذي يحتكم له الجميع.