آخر تحديث: 15 / 10 / 2019م - 6:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

ليس حًبًا.. لكنهم سيُكابرون

زينب البحراني *

هل تذكرون كيف كان الحال في الماضي مع ”الحُب“، عندما لم يكُن هناك انترنت ولا واتس آب ولا فيسبوك وسناب شات وإنستقرام؟ كان نادرًا وفريدًا، ذو طابع مميز، يأتي فجأة دون نية مُسبقة أو تخطيط، وغالبًا لا يأتي أبدًا، بل قد تكون فُرصه حدوثه مُستحيلة بسبب صعوبة إمكانية تواصُل البنت مع الولد في المجتمعات المُحافظة مهما بدا المجتمع منفتحًا إلى حدٍ ما، فمراقبة الأهل صارمة، الخروج من البيت بحساب، والمكالمات الهاتفية بحساب، بل وحتى الرسائل البريدية الورقية أحيانًا تخضع للقراءة والتدقيق من أكبر أفراد الأسرة قبل إرسالها إلى أي جهة في إطار الوقاية من أي احتمالات للمراسلات العاطفية.

أماكن الاختلاط التي قد تسمح الأسر المُحافظة بارتيادها كمواقع العمل والمعاهد والجامعات محدودة وذات طابع رسمي، وقد لا تسمح بيئتها بنمو مشاعر الغرام والاهتمام فضلاً عن إمكانية التعبير عنه.. كان من الشائع أن الفتاة المهذبة يجدر بها عدم الموافقة على الاسترسال في الكلام مع رجلٍ لا تعرفه، وكان الشاب مُطالبًا ب ”دخول البيوت من أبوابها“ عن طريق خطبتها من أهلها كي يكون وجوده مقبولاً في حياتها. تربع ”الحُب“ على عرش المُستحيل ليكون استثناءًا حقيقيًا عظيمًا، مُدهشًا، مُبهِرًا، لا يصطفي إلا نخبة مُتميزة قليلة من البشر الصادقين من ذوي المشاعر المرهفة، أما البقية فكانوا راضين بالفرص المُتاحة للزواج التقليدي، وما تهيئه لمستقبلهم من استقرار أُسري مُعتاد، وكانت تلك الزيجات التقليدية تمتاز بقدرٍ من اللطف والتقدير والاحترام الذي قد ينمو إلى حب ومودة بطريقة أو بأخرى.

”الحب“ بين الجنسين شعورٌ عظيم، لكن لا يمكن أن يتوفر للجميع في المجتمعات المعقدة، أو المتزمتة، أو غير الناضجة عاطفيًا، لكن جيلاً جديدًا تبرمج على الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفازية الرومانسية يريد أن يكون عاشقًا ومعشوقًا سواءً كان يعرف معنى الحب حقًا أو لا يعرف، إنه يُريد الشعور بالتميز وباهتمام شخصٍ من الجنس الآخر به، ويُريد التماهي مع تلك النسخة التي يحتفظ بها عقله الباطن من صورة نجمه المفضل وهو يعيش ”حالة حب“ في ذاك الفلم أو المسلسل الذي طارت شهرته نحو آفاق بعيدة، لكنه نسي ذلك..

هذا الجوع للاهتمام تتم ترجمته إلى بحث عشوائي عن أي شخصٍ من الجنس الآخر يصلح للتعارف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث الحرية المُجتمعية الجدية البعيدة عن سُلطة الرقيب، وهنا تبدأ القصة: نظرةٌ، فسلامٌ، فكلامٌ، فصورةٌ، فخلافٌ، فشجارٌ، ففراقٌ وحظرٌ من كل مواقع التواصُل قبل أن يتم اللقاء المباشر وجهًا لوجه أحيانًا! أي أن القصة كلها ”وهمٌ في وهم“! أنت لم تحب هذا الشخص، أنت لا تعرفه جيدًا وربما لا يهمك أن تعرفه حقًا، بل تحاول البحث عن مُسكنٍ لآلام شعورك الداخلي بالوحدة وجوعك الحاد لشخصٍ يهتم بك، يدللك، يسأل عنك، يثني عليك، يدعمك، يسمع فضفضتك، يغرقك بما يكفيك من الكلمات الرقيقة وعبارات الغزل والاستحسان، وإذا كُنت ذكرًا فأنت أيضًا تريد المزيد مما لا يمكننا الإشارة إليه هنا كي لا يزعم المجتمع أننا ”نخدش حياءه“، إذا اختفى فجأة ستشعر بألمٍ كبير لأنك فقدت لذة الاهتمام وما يرافقه من إشباع عاطفي ونفسي، لكن لو جاء في نفس لحظة توديعه إياك شخصًا آخر بنفس مستوى قدرته على الاهتمام بك ومعاملتك بلطف وحنان سرعان ما تستسلم لهذا الإغراء الجديد، ولو كان يملك مميزات ومهارات أفضل في جعلك تشعر بالسعادة فربما تنسى الأول وتفرح بتخلصك منه! إنها الحقيقة، أنت تحب نفسك وتبحث عن حلول لأزمتك المشاعرية والهرمونية ولا تحب الشبح المتواري خلف تلك الشاشة.

كاتبة وقاصة سعودية - الدمام