آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 1:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

تمثل الماضي في أذهاننا

محمد الحرز صحيفة اليوم

هناك مشكلة عندنا نحن العرب والمسلمين في تعاملنا مع الماضي وتصوراتنا عنه. ما طبيعة هذه المشكلة؟ ما آثارها على التفكير والعلاقات؟ ما ارتداداتها على إنتاج المعارف في جميع المجالات؟ هذا ما سأجيب عنه الآن، بعد تعريفي بالمشكلة.

قد يبين المثال التالي أبسط صورة لما يكون عليه الماضي في أذهاننا. هناك مجموعة من الناس، قد يكونون أصدقاء أو أقارب، أو زملاء عمل، يضمهم مجلس. تجري شتى الحوارات فيما بينهم.

فمن خلالها يطرحون مختلف المواضيع التي تتصل بالحاضر، فمثلا حين يتذاكرون قصة شخص أو أشخاص معروفين بينهم كانت لهم مواقف نموذجية في الشجاعة أو في الكرم أو في التضحية أو في العلم والثقافة والأدب أو في الزهد والتقوى أو السياسة، فإن هذه المواقف تستدعي في أذهانهم مواقف أخرى موازية لها من الماضي، تكون بمثابة المعيار الذي يقاس عليه كل مواقف الحاضر وقصصه باعتباره قيمة. فمثلا شخصية حاتم الطائي شخصية معيارية يقاس عليها كل كلام يجري حول قيمة الكرم، ويتم استحضارها في كل خطاب أو حوار يتصل بهذه القيمة.

كذلك لو استحضرنا شخصيات أخرى كالمتنبي فيما يخص الشعر أو عمرو بن العاص في الدهاء والذكاء، أو الإمام علي في الشجاعة أو الإمام الغزالي في المعرفة.

وهكذا يكون الأمر، فالماضي هو مجموعة من الأيقونات الماثلة في الذهن باعتبارها نماذج وصلت إلى حالة من الكمال في الحياة، وبالتالي أصبحت أيقونات سيخلدها التاريخ.

أين المشكلة في هذا التصور للماضي؟

ظاهريا لا يبدو الأمر فيه مشكلة. فجميع المجتمعات والشعوب في العالم لها نماذجها التاريخية من شخصيات متنوعة تستدعيها وتفتخر بها في مختلف المواقف والحوارات، بل وهناك منحوتات ومتاحف متخصصة كما في أوروبا بالخصوص، لها حضور وقيمة عظمى عند الناس. لكن ما الذي يجعل مثل هذا التصور مشكلة عندنا؟

هناك سببان تاريخيان مترابطان كان لهما الدور الأبرز في رسم مكونات هذه الصورة. الأول له علاقة بخاصية التواصل والانقطاع الثقافي المعرفي في مجال التاريخ الإسلامي.

لقد مرت على التاريخ الإسلامي فترات ركود ثقافي منذ القرن السابع الهجري، كان فيها إنتاج المعرفة عبارة عن شروحات وشرح على الشروحات حتى طغى الهامش على المتن، وهناك سلسلة من الكتب عناوينها تشي بذلك، وأيضا مجرد تلخيصات لأمهات الكتب.

وغلب التفكير الخرافي على العقل، وعلى إثر هذه الظواهر حدث انقطاع في التواصل الإبداعي بين المفكرين والفلاسفة والعلماء في المجال الثقافي، فاللاحق لا يبني فكره على السابق، والسابق لا يجد طريقه في التأثير على اللاحق، حيث الفراغ الحاصل لم تكن الثقافة العقلانية تملأها بل كانت ثقافة الوعظ والتقديس للماضي والخرافة والتصوف الطرائقي، حتى ازدادت الفجوة إلى مطالع القرن التاسع عشر إلى أن جاءت صدمة الحداثة، حيث بدأت معالم أخرى للنظر إلى الماضي والتاريخ والعالم. وهنا نصل إلى السبب الآخر المرتبط بهذه الصدمة وما تلاها من سياسات استعمارية مدعومة بسلطة الخطاب المعرفي المسمى بالاستشراق، فقد أعاد المستشرقون قراءة التراث الإسلامي في أغلب فروعه المعرفية وفق أهوائهم إلا ما ندر، وأصبحت سردياتهم عن التاريخ الإسلامي يقينية الطابع، ليس فقط عندهم، بل حتى عند المفكرين العرب أنفسهم.

هذان السببان أحالا الماضي والتاريخ الإسلامي إلى صورة جامدة وكأنها مقطوعة الصلة بالواقع الذي انوجدت فيه ومن ثم تطورت بفعل تطور الحياة. لقد تم توارث هذه الصورة من جيل إلى آخر دون أن يتم التعديل عليها وفق تطور المعرفة. وبالتالي نعيش اللحظة بوصفنا ننتمي إلى زماننا وفي ذات الوقت نعيش الماضي في علاقة تقديسية مع نماذج الماضي.