آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

الكون: منعدم الصدفة

محمد حسين آل هويدي *

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «189» إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ «190» الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ «191» - آل عمران.

كتب الأخ علي الغاوي مقالاً بعنوان «الكون: صدفة وضرورة» والذي نشر في أكثر من موقع على شبكة الإنترنت، وكان قد نشره كرد على مقال سابق نشرناه بعنوان «الغاوي رؤية علمية مفقودة» والذي بينا فيه الإلتباس الذي وقع فيه الأخ الغاوي في إشكالاته حول إحدى محاضرات سماحة العلامة السيد منير الخباز حفظه الله بعنوان «الإنفجار العظيم»، فأعرب الغاوي في مقاله الأخير عن سعادته عند سماعه أننا كتبنا رداً على مقاله السابق وأن سياسة النقد والتنقيح هي من أفضل انجازات المدارس العلمية. ونحن بدورنا نبدي ترحيبنا بالحوار مادام الهدف منه الوصول إلى الحقيقة وما دام كل طرف يكن الاحترام والمحبة للطرف الآخر. ولقد لمسنا من الغاوي حبه للعلم والتعلم من خلال حوارنا معه والذي شمل نقاشاً معمقاً في علم الفلك والفيزياء والرياضيات، ولكنه مع إطلاعه الكثير، نرى أنه التبست عليه بعض من الأمور، وأننا نختلف معه في النتائج التي توصل إليها، وهذا ما سنحاول إيضاحه للقارئ الكريم. وسنرمي بكرتنا هذه المرة نحو ملعب العلماء ليحسموا لنا أمرنا من الناحية العملية على أقل تقدير.

وقبل شروعنا في طرح الإشكالات والرد عليها، لا بد لنا أن نبين أمراً مهما، ً لنتجنب الإطالة في مناقشة بعض الأمور العلمية التخصصية، والتي قد ترهق القارئ الكريم، حيث أننا سنحاول التركيز على مواطن الإشكالات فقط. فنحن نرى أن بعض التفصيل الذي قام به الأخ الغاوي فيه خروج عن جوهر البحث. فقد ذكر الغاوي أن السيد الخباز استعان بالفلسفة لتقويض المنهج العلمي من دون استيعاب للأسس التي يقوم عليها المنهج العلمي، ثم قام الغاوي ببيان أقسام التجربة العلمية وطرح شرحاً مسهباً لكيفية تكامل المقياس التجريبي، حيث يبدأ بالفرضيات وبالأدوات البدائية إلى أن ينتهي إلى النظرية وتوثيق الفرضيات بمعطيات تجريبية أكثر دقة.

وكل هذا البيان من الغاوي توضيح لما هو واضح ولما لا يختلف فيه اثنان فلا حاجة لإضاعة وقت القارئ بالخروج عما هو محل البحث. ولنا هنا عدة ملاحظات هي في رأينا جوهر البحث:

- الأولى: أن السيد الخباز لم يعمد لتقويض المنهج العلمي وإنما كان نقاشه في محور معين وواضح لكل من سمعه وهو أن ماذكره أرباب المدرسة الوضعية من «أن كل شيئ لا يناله المقياس التجريبي فليس ذا قيمة علمية» هو قول مرفوض وأن نقاش السيد ليس في رفض المنهج العلمي التجريبي بحد ذاته، وكانت حجته هنا علمية لا فلسفسية حيث أن رفضه للقول المذكور هو احتجاج على المدرسة الوضعية بما تقر به، فكيف تقبل لنفسها دعوى غير قابلة للتجربة! وقد ذكر الغاوي في مقاله الأول أن المدرسة العلمية «لا تقبل إلا أن يكون البحث قابلا لأن يتعرض لتجربة حسيّة الأثر» وأن الحجية المقبولة لديهم هي المقياس التجريبي فقط، وهذا القول هو بحد ذاته مجرد إدعاء لايناله المقياس التجريبي. والمدرسة التجريبية غير قادرة للوصول لاستنتاجاتها وبناء نظرياتها دون اللجوء الى قوانين ومسلمات رياضية وعقلية لايمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال.

- الثانية: هي اعتبار الغاوي الاستناد إلى الفلسفة في المناقشة دخولاً غير علمي وكأن الفلسفة ليست من العلم وهذا الرفض ناشئ عن عدم استيعاب الأسس العلمية للفلسفة ليعرف مدى ربطها بمحل البحث وعدمه. وأنا استغرب ممن يقول بهذا كيف تراه في مقام آخر يسلم بدعوى أحد الفلاسفة القائلين بالصدفة ومن دون أي أدنى دليل علمي! أليس هناك تباين بين القولين!

- الثالثة: أن النقاش الفلسفي في محاضرة السيد الخباز لم يكن للمنهج العلمي بحد ذاته وإنما كان نقاشاً للربط الفلسفي الذي قام به ستيفن وغيره بين نظرية الانفجار العظيم وفكرة عدم الحاجة لوجود الإله.

بطلان إدعاء أن الكون صدفة

إن استشهاد الغاوي بكلمة ديمو قريطوس لا ينسجم مع البحث العلمي، ويخالف المنهج التجريبي، لأن هذه الكلمة لم تستند لبرهان علمي تجريبي، فقد ادعى أن كل مافي الكون من ثمرات الصدفة وهذا التعميم مما لايمكن إثباته بالمقاييس التجريبية، وخصوصاً في زمن ديموقريطس. وسنبين بطلان هذا الإدعاء فيما يلي، وكما قلت مسبقاً، سنرمي بكرتنا هذه المرة نحو ملعب العلماء ليحسموا لنا أمرنا من الناحية العملية على أقل تقدير.

قبل ما يقارب 2500 عام، ولد الفيلسوف الإيلي زينو «Zeno» والذي طرح عدة تناقضات «paradoxes» والتي يبدو ظاهرها حقا ولكن باطنها باطل، وسنعرج على واحدة منها وسنبين خطأها وكيف أنّها تغش البعض حيث تبدو لهم ظاهريا أنها منطقية. عادة ما يلجأ من تعييه الحجة أو لا يخدمه العلم للوصول لمبتغاه إلى تنقاضتات من نوعية زينو، ومنها الإنحياز لما يحمله من أفكار والتي لا يستطيع التخلي عنها وإنْ بدا بطلانها نظريا ومنطقيا وعلميا وعمليا. يقول زينو لو رمى رامٍ سهمه من نقطة إلى أخرى فإنّ السهم لن يصل إلى هدفه مستخدما حجة أنّ على السهم أولا قطع نصف المسافة، وبعدها نصف النصف، ومن ثم نصف الربع، وهلّم جرا إلى ما لا نهاية، مما يعني أنه لابد على السهم أن يقطع النصف المتبقي قبل أن يصل، لذلك لن يصل أبدا لدوام وجود نصف مسافة متبقية مهما فعلنا. عمليا، هذا الكلام باطل لأننا جميعا نعلم أن السهم يصل هدفه، مما يعني أن الرقم واحد إذا قُسِم على عدد ضخم يصبح مساوٍ للصفر حتى وأن كانت هناك بقايا أرقام. يقول براين دَنِنْگ «Brian Dunning»: عادة ما يلجأ أعداء المعرفة إلى تناقضات زينو لمحاربة العلم نفسه « Zeno's paradoxes are often touted by some people as evidence that physics or science are wrong. »، لذلك نعتقد أن الأمر يكون في غاية الحيرة حينما يلجأ أبناء العلم إلى تناقضتات زينو، التي أكل عليها الدهر وشرب، للتدليل على ما يعتقدون وإن خالف القوانين الرياضية وقفز فوق الحقائق التي تراها الأعين [7] .

رفقا بالقارئ الكريم، لن نعود للأصفار مرة أخرى، لكن نودّ الإشارة أنّ هناك علم قائم وضروري جدا وقد أتى به إسحاق نيوتن، وهو علم التفاضل والتكامل «calculus»، والذي لا يقوم إلا إذا افترضنا أنّ الرقم الصغير جدا يعتبر صفرا، ولولا هذا الإعتبار لتوقفت الرياضيات عند حدها ولم نحظَ بالرياضيات المتقدمة التي تعمتد إعتمادا كليا على علم التفاضل والتكامل. وفي حالة الإصرار على هذا الأمر، فإننا لا نرد على السيد منير أو محمد آل هويدي، بل نرد على إسحاق نيوتن ونسقط جميع البراهين الرياضية التي قام بها وبنيت على أساسها الرياضيات المعقدة. بل إن معظم التجارب العلمية الحديثة لا تستغني في استنتاجتها عن استخدام تلك القوانين لتصوغ نظرياتها، فهل يصح منا رفض كل تلك النظريات العلمية كونها اعتمدت على مثل تلك الحسابات والبراهين الرياضية! وهل باستطاعة المدرسة العلمية التجريبة استنتاج وصياغة نظرياتها دون اللجوء لتلك الحسابات؟

لا يوجد أحد من العلماء إطلاقا يعول على هذا الرقم الزهيد ليثبت صدفة الكون، ولو لجأ أي منهم لهذا المنطق لفقد موضوعيته ومن ثم مصداقيته بين الأوساط العلمية. ينقسم العلماء إلى فريقين: فريق يؤمن بوجد خالق ومدبر لهذا الكون وفريق آخر يكابر في هذا المضمار، والمكابرة لا تأتي تعويلا على هذا الرقم الضئيل، ولكن يأتي على حجتين مختلفتين سنسقوهما هنا ومن ثم نبطلهما:

1» قبل كوننا هذا، كانت هناك أعدادا لا متناهية من الأكوان، وبسبب هذا العدد اللامتناهي حدثت هذه الصدفة العجيبة. في كل مرة يفشل كون يرجع لحالته الأولى ليبدأ من جديد، وهكذا.

2» وجود عدد لا متناهي من الأكوان المتوازية، لكل منه خصائصة المختلفة، وأحدهما هو كوننا الذي يضمنا، وسبب تكون الصدفة هو هذا العدد اللامنتناهي من هذه الأكوان.

تفنيد هاتان النقطتان ليس بالأمر الصعب إطلاقا:

1» رجوعا لبراين گرين [8]  وعلماء الكون، علينا أن نعرف أن هناك ثابت كوني يتحكم في القوة السالبة الجاذبة والقوة الموجبة الطاردة، كما أشار السيد منير في محاضرته الآنفة الذكر [1] . يقول براين گرين لو زاد في كل متر مكعب من الفضاء مقدار بروتونين لغلبت القوة السالبة وانكمش الكون على نفسه، وعلى العكس، لو قلّ بروتونان من المتر المكعب لتطاير الكون، وحينها لم يعد بالإمكان الرجوع إلى نقطة الصفر أو الإنكماش. جماعة النقطة الأولى نظروا لصدفة الزيادة فقط وتناسوا صدفة النقصان في فرضهم، مما يعني أنّ إدّعاءاتهم باطلة ومنحازة وخارجة عن الموضوعية ومنافية لقانون الإحتمالات الرياضية وذلك لكي يثبتوا نظرتهم عنوة حتى لو اضطروا للتغاضي والتدليس، وهي أن فرض حدوث الزيادة يؤدي إلى الإنكماش في كل مرة. ولو أخذوا لفرض النقص في هذا العدد الضحم من الأكوان، فإنه سيكون هناك بروتونين ناقصين ولو لمرة واحدة على الأقل مما سيساهم في تطاير الكون، وحينها لن نصل إلى كوننا إطلاقا ولن نكون موجودين نكتب هذه السطور. حجم البروتون يقارب 1.7×10−15 م وكتلته 1.7×10−27 كغم[9] . ما شاء الله على هذه الدقة في الحسابات!

2» عندما يئس هؤلاء القوم من إثبات نظرتهم الأولى لعدم تطابقها مع علم الإحتمالات الرياضية واستحالة إقامة الدليل العلمي لجأوا إلى طرح نظرية أخرى وهي أكوان متوازية، وهذا أمر لا يمكن إثباته البتّة، ولكي نتوصل لقانون رياضي فقط علينا أولا إثبات النظرية الوترية وهذا أمر غير متاح في الوقت الراهن وربما لا يتاح إطلاقا. كما أنّ العالم براين گرين يعزو هذا للوهم ويقّر أنه لا يعتقد بوجود أكوان متوازية بل يظن بأن هذه الفكرة من وحي الخيال والتصديق بما وراء الغيبيات. فكيف بهؤلاء يتمسكون بوهم وخيال بعيدا عن الواقع ولا يصدقون بالغيب إذْ يبدو أنّ الآخر أقرب للتصديق وأسهل للهضم، فهم يشكلون على الناس تصديقهم الغيب ولا يسخرون من عقولهم التي تصدق أمرا لا يصدق!

الإنفجار العظيم نظرية أم فرضية

قال الغاوي في مقاله الأخير «إن المدرسة العلمية تميل الى أن الإنفجار العظيم نظرية» وهذا تراجع واضح فبعد أن ذكر في المقال السابق أنها نظرية وانتقد اختيار السيد الخباز لكلمة الفرضية، تراجع الغاوي إلى القول بالميل إلى أنها نظرية، مع أن من استمع إلى محاضرة السيد الخباز يجد أنه صرح بوضوح تام أنه ليس في مقام نقاش صحتها أو خطأئها وإنما مراده الربط الفلسفي بينها وبين فكرة وجود خالق، ومع كثرة المصادر التي أشرنا إليها في مقالنا السابق والتي تصرح بخطأ القول أنها نظرية، وأن بعض العلماء وصفها صراحة بالشيء الميت. ومع ذلك نرى أن الغاوي ينتقد نقلنا لوصف البعض لها بالخاطئة ويقول أن المصادر كانت في محل نقاشها لا تخطئتها، وهذا بحد ذاته مجرد جدل في اختيار الألفاظ. والمصادر تؤكد أنه ليس هناك ميل لدى المدرسة العلمية بتمامها إلى وصفها بالنظرية بل هو ميل من البعض لا من المدرسة بتمام روادها، وأن من تقبلها من العلماء إنما تقبلها بعد تصحيح لها. ثم قال الغاوي إن من يعتبرها فرضية ينسف الجهود التي بذلت في هذا المجال! وهنا نلاحظ أن هذا القول لا يخلو من هجومية ذاتية على من يقول بأنها فرضية، ولم نقل نحن ولا السيد الخباز في محاضرته باعتبارها فرضية وإنما ذكرت أنه لم يتفق العلماء أصحاب الاختصاص على أنها نظرية بل مازالت فرضية لدى كثير منهم، وثانياً إذا كان القول بأن الانفجار العظيم فرضية قولاً لا يخلوا من هجومية لدى الغاوي وكان يرى فيه نسفاً لجهود العلماء، فنقول أليس القول بالتعميم بأن الكون ثمرة الصدفة من دون برهان قولاً لا يخلوا من الهجومية الذاتية ونسفاً لكل الآراء الأخرى، ومن دون أي أدنى دليل!

فإذا كان المنهج العلمي لا يتداخل مع الدين ولا ينفي ولا يثبت فكرة الإله فالمناسب لمن يتمسك بالمنهج العلمي ويصر على استخدام الأدوات العلمية ان لا يطلق فكرة كحقيقة مسلمة ويقول أن الكون ثمرة الصدفة فهل هذه الفكرة أثبتتها المناهج العلمية أم أنها خارج نطاق المنهج العلمي!

حول دليل حساب الاحتمالات

ذكر الغاوي أن وصول درجة الاحتمال لما يقارب الصفر لا يعني انطفاء القيمة الاحتمالية له، ثم أضفى شرحاً مسهباً حول ذلك ومثل بمثال وصول القطار في مدة خمس دقائق مستنتجاً أن ناتج الحساب الرياضي قد يكون هو وصول درجة الاحتمال لمايقارب الصفر كما في المثال، إلا أن التجارب وقراءة الظروف المكتنفة تعطي للاحتمال نفسه نصيبا من الواقعية لا إنه احتمال لا قيمة له. ولنا هنا تعليقان على ما قاله الغاوي:

- أولاً، إنه لا يُتصور جريان دليل حساب الاحتمال بمعزل عن معطيات التجربة والظروف المحيطة، وبالتالي لا يمكن أن تكون نتيجة الحساب الرياضي معاكسة للمعطى التجريبي بحيث يكون الاحتمال بحسب الحساب يقارب الصفر وهو بحسب المعطيات التجريبية احتمال معتد به، فان دليل حساب الاحتمال يتضمن ملاحظة سائر الملابسات المتعلقة بتحديد قيمة احتمال الوصول في مدة معينة، فليس من التناول العلمي للدراسة وتحديد الظاهرة النظر للدليل الرياضي منفصلا عن المعطيات الأخرى حتى تتعاكس النتائج!.

- ثانياً، إن كلام الغاوي يتضمن اعترافاً بأن الاحتمال غير المدعوم بالمعطيات التجريبية مما لا قيمة له إذا كان مما يقترب من الصفر بحسب ضرب الاحتمالات. فإذا طبقنا ذلك على مسالة وجود الخالق وقمنا باستقراء ملايين الظواهر الكونية التي تخضع لقوانين دقيقة جلية في إطار دليل حساب الاحتمالات سوف يتضائل احتمال الصدفة جداً إلى أن يتناهى للصفر أو ما يقاربه، وهو احتمال لا قيمة له، فهو غير موضوعي إذ أنه ليس مدعوم بأي قرينة في قبال الظواهر الكونية التي تخضع لقوانين دقيقة، وإن كان قائماً بالوجدان، ولأن المدار على الاحتمال الموضوعي المدعوم بالقرائن والمعطيات العلمية لا الاحتمال الذاتي الذي قد ينشأ عن مرض ذهني أو اختلال نفسي.

و قد ذكر الغاوي أنه« إذا كان قانون أوم يتهاوى في مستوى تحت ذريّ، فكيف لنا أن نحاكم نقطة التفرد جزافا بقانون الاحتمال الرياضي ضمن ماهيّة غير معروفة كنقطة التفرّد والتي لا تصمد فيها لا قوانين الكلاسيكية ولا النسبية ولا الكميّة»، هذا مع أن الغاوي نفسه ذكر في البداية أن الثقب الأسود المجهول ماهيته وهويته حتى الآن، وإن كنا لا نستطيع أن ننسب له الدلائل بتسلسل برهاني لكن ذلك لا يمنع من مقاربته بالمقياس التجريبي بلحاظ آثاره! وكذلك في مثال تألف الشمس من شحنات هيدروجينية، بل ذكر أن التفسير الأكثر قبولاً للمادة السوداء، أنها تتشكل من جسيمات تحت الذرية تتفاعل مع بعضها بسبب الجاذبية! فنقول للغاوي إنه إذا أمكن لنا مقاربة ماهو مجهول الماهية وهو الثقب الأسود وأن نضع تفسيراً نعتبره الأكثر قبولاً، فما الذي يمنع من مقاربة نقطة التفرد بدليل علمي بلحاظ الآثار والمجريات، وهو دليل قامت عليه كل التجارب المنتجة وهو دليل الاحتمال، مضافا إلى أننا لم نطبق دليل الاحتمال على نفس نقطة التفرد وإنما طبقناها على المجريات الطبيعية الأخرى والظواهر المتنوعة، والمفروض أنه ليس لنقطة التفرد معطيات علمية تتنافى مع مايؤدي إليه دليل الاحتمال في شتى مناحي الكون من تضائل احتمال الصدفة وقوة احتمال ابتداع القوة الحكيمة.

حول العلية والحتمية

تسائل الغاوي هل أن المسبب في مثال الغليان هل هو نار الفرن أو الموجات المكيرويفية أو غيرهما، فقال: « هذا التلازم المراد به في العليّة قد لا يكون أكثر من تعاقب للأحداث، وكما أشرت قبل قليل أن المتلازمات متغيرة أيضاً». ولنا وقفة مع هذا الكلام، لإن هناك فرقاً بين تعاقب الظواهر وبين تلازم الظواهر، فمثلاً لو وجدنا بالاستقراء الناقص أنه إذا حدثت رياح ترابية في القطيف يكثر صيد السمك في مصر مثلاً فإن هذه الظواهر متعاقبة لا متلازمة، وأما إذا وجدنا أنه كلما هبت رياح ترابية في منطقة حدثت حالات اختناق لدى بعض مرضى الربو في نفس المنطقة، الذين تبين أن الأتربة تثير الجهاز المناعي عندهم فتحدث ضيقاً في التنفس، فيقال بين الظاهرتين تلازم، وهذا التلازم هو العلية فإن العلية والسببية هي أن يكون بين الظاهرتين تباين في الخصائص الطبيعية فتكون إحداهما سبباً لدفع الأخرى، أو يكون بينهما تجانس في الخصائص فتولد إحداهما الأخرى، أو يكون بينهما تبادل في التأثير، ولذلك نرى الأطباء مثلاً يجرون اختبارات على مريض الحساسية لتحديد مسببات الحساسية المختلفة، ثم يمنعون ذلك المريض من التعرض لتلك المسببات، فهي تعتبر مسببات للحساسية لذلك الشخص وإن لم تكن كذلك لغيره. فلذلك بأي معنى فسرنا درجة الحرارة وأنها عبارة عن حركة الجزيئات أو ناتج عنها أو غير ذلك، فإن بينها وبين الغليان تجانساً في الخصائص مما يوجب تلازما بين الظاهرتين أو استلزاماً من إحداهما للأخرى، وليس أن ما بينهما مجرد تعاقب فقط كالمثال السابق، ولا فرق في العلية بين أن يكون في بعض الظروف أو جميعها ولا يوجب ذلك ركاكة في الحتمية والتلازم، فمثلاً إذا كان تناول الفول أو طعام آخر يسبب حساسية لبعض الأشخاص المصابين بالحساسية، وتم تأكيده باختبار الحساسية الجلدي في العيادة، فإن ذلك لا ينفي العلية بينهما لمجرد كونه لا يسبب الحساسية لأشخاص آخرين، فإن الفول في هذا المريض بالذات وفي هذه الظروف المعينة هو سبب الحساسية، وإن لم يكن سبباً على نحو الإطلاق أو على كل المرضى وعامة الناس، فكذلك درجة الحرارة ملازمة في الظروف الطبيعية لظاهرة الغليان للتناسب في الخصائص وهو معنى العلية والسببية بينهما وإن لم تكن هذه السببية في تمام الظروف لقيام سبب آخر أقوى منها.

و أخيراً، ذكر الغاوي أن العلية تتقلص على مستوى كوني شامل خصوصاً في الفيزياء الكمومية، وهذا الكلام إصرار على دعوى بلا برهان ولا دليل، فأين الأدوات العلمية والشواهد الواضحة على تقلص مبدأ العلية على هذا المستوى، واهتمام الفيزياء الكمومية بالاحصاء لسد باب الفوضى لا ينفي خضوع تلازم الظواهر على هذا المستوى لمبدأ العلية الذي سبق شرحه. وإنه لجدير بمن يتبنى المنهج التجريبي أن لا يرسل مجرد دعوى من غير برهان وتجربة كما قلنا سابقاً وإنما نعيد لنذكر الآخر بما هو يراه منهجاً.


[1]  الخباز، السيد منير <5 محرم 1434هـ>. مبدأ الكون ونظرية الإنفجار العظيم. يوتيوب.
http://www.youtube.com/watch?v=begZS7J1Vi8

[2]  الغاوي، علي <23/11/2012م>. الخباز: رؤية فلكية مفقودة. جهينة الإخبارية.
https://www.juhaina.net/?act=artc&id=5441

[3]  الغاوي، علي <23/11/2012م>. الكون: صدفة وضرورة. جهينة الإخبارية.
https://www.juhaina.net/?act=artc&id=5795

[4]  آل هويدي، محمد <21/11/2012م>. مراجعة محاضرة السيد منير "الانفجار العظيم". جهينة الإخبارية.
https://www.juhaina.net/?act=artc&id=5399

[5]  آل هويدي، محمد <27/11/2012م>. الرد على السيد منير الخباز. جهينة الإخبارية.
https://www.juhaina.net/?act=artc&id=5538

[6]  آل هويدي، محمد <27/12/2012م>. الغاوي: رؤية علمية مفقودة. جهينة الإخبارية.
https://www.juhaina.net/?act=artc&id= 5725

[7]  Dunning, B. <2011>. Zeno’s Paradoxes. http://skeptoid.com/episodes/4267.

[8]  Greene, B. <2011>. The Hidden Reality: Parallel Universes and the Deep Laws of Cosmos. New York, NY: Vintage.

[9]  Wikipedia, Proton. http://en.wikipedia.org/wiki/Proton.
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.