آخر تحديث: 20 / 1 / 2020م - 12:24 م  بتوقيت مكة المكرمة

أرجوحة البياض القاتل

أثير السادة *

أنت الآن كمن اذخر أوجاعه وأمراضه لآخر العمر، تبدي السأم لكثرة الأقراص التي تبتلعها في كل يوم، خوفك من التجاعيد لا يزاحمه إلا الخوف من السهام الوشيكة التي ستنال من عافيتك كلما أفرطت في تأبط رغباتك المفتوحة على السموم البيضاء، تلك المذاقات الحلوة المنغمسة في رشاقة السكر.

كالهارب من لذة الدنيا، توصد الباب حيناً وتفتحه حيناً آخر في وجه الأطباق المشتهاة، لم تعد تسمع صوت تحريك قطعة القند في كؤوس الشاي، وأنفك المتمرس على روائح الخبز قد أغلق دفاتره دون أن يكتب سطراً من دفء أقراصه التي كانت تهمس لك في كل وجبة، لأنك الآن تحاول هجرانها، نسيانها، وتكتب بدلاً عنها سطوراً أخرى على صحنك المنذور لصور من الطعام الخالي من الدهشة!.

طوابير المنتظرين في عيادة المشفى تذكرك بالقدر الذي يصطادنا في غفلة من الوقت ويهبنا أجساد المرضى، عبثاً تحاول أن تترك مسافة بين حالك وحال المرضى الآخرين، فأنت وإياهم في كتاب واحد، له ذات الفهرس، وإن تباينت التفاصيل، عزاؤك الوحيد أنك في أول الفصل، وأنك تكتب تآويلك لآخر الكؤوس التي ساقتك إليها يد الأقدار.. لعلها الغفلة، ولعلها الوراثة، ولعلها سلوكياتنا التي تأخذنا دون أن ندري إلى عتبات المرض.

تصبر نفسك في وحشة الطعام المحايد وأنت تعدد السنين التي أبصرت فيها أطباق الحلوى، وتسمرت في موائد الأرز المثقل بألوان البهارات، وثملت فيها بطعم السكر الذائب في الأمنيات، يسري فيك هذا الشعور بالقبول كلما أدركت بأن هذا البياض الجميل قد استحال مصائد للوجع المستديم.. لن تلوم الطحين والأرز والسكر، وكل الأطباق الحلوة التي عبرت من فمك، لن تلوم جيناتك التي تتربص بك في منتصف العمر، وتجعلك على شفير الاحتمالات المزمنة، ستستعين بكل ذرة أمل، وذرة عزم، وتبدأ بالجواب عن سؤال المرض عبر منادمة أقراص التشافي.

تنتخب من صور المرضى ما تحب فقط، تتذكر في مرايا خوفك وجوه الذين تدربوا على التعايش وأقراص التعب، الذين استدركوا أخطاءهم وصاروا يمنحون الآخرين جرعة من أمل، هم أقرب للعافية من المرض ساعة يركضون ويأكلون، لأنهم خسروا الكثير من صور الاسترخاء اليوم لأجل راحة تهبهم عمراً أكثر راحة.. تخاف أن تبقى غريباً على الأصحاء لأنك لا تقوى على نسيان روائح طعامك الأثير، كما لا تقوى على رد الموائد المفتوحة، ما بين خسارة وزنك وخسارة حصتك في الملذات وبين خسارة العمر الآتي تقف حائراً، تشعر مرات باللاجدوى من المداومة على مقاومة البياض، ثم تعود لتحصي ما أضعت في ليال أثثتها بموائد التيه.

كلما فتحت صحيفة وجدت يومياتك كمخطوطة في أخبارها، موتى يعبرون إلى الآخرة في ذروة هذا المرض المزمن، آخرون ينامون ويصحون على مواعيد غسيل الكلى، ومثلهم تركوا قلوبهم مفتوحة على مشارط الأطباء، والبعض قد استسلمت عيناه للعتمة للأبد، تذكرك الإحصاءات بأن هنالك شخص تبتر رجله كل 30 ثانية في العالم بسبب هذا النائم في جسدك، فتتحسس رأسك ورجلك خشية المضاعفات التي كنت تنساها عند كل وجبة.. هذا المرض الذي لا تعرف سبيلا للخلاص منه، لا سبيل للتعاطي معه إلإ بالهروب من مضاعفاته، فأنت المريض الذي يملك قرار نجاته من جنون مرض لا يمكن التغافل عنه.