آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 7:44 ص

أنت ماذا وأنا من؟

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

يبدو لي أن عالمنا الذي نعيشه والمصبوغ بالعولمة ليس كاذباً أو سراباً فحسب فيما يبدو من جمال مظهره المتحضر بل يمتد عميقاً ليصيب جذور ثقافتنا اليومية ونمط تفكيرنا وحياتنا. أصبحنا ودون أن نشعر نتقمص الكثير من أساليب التفكير وطرق التعبير عن ذاتنا وتفكيرنا دون أن نعلم ماذا نريد؟ ولماذا نستأنس بما لا نريد؟. الموجة التي طغت على العالم مع النقلة النوعية في حياة الإنسان منذ أكثر من عشر السنوات الماضية هي موجة أسلوبنا في التعبير عن أنفسنا ومفاهيمنا واعتقاداتنا من خلال مصطلحات تغزونا من كل حدب وصوب. أمام الفضائيات أنت معرّض لوابل لا ينقطع من حديث السياسة والاقتصاد والخبراء الجدد في تحليل الشخصية ومشاكل الأسرة ناهيك عن الكم الهائل الذي تتعرض له عبر جوالك والانترنت وبريدك الشخصي من تجارة الدورات والترويج للبرمجة والتخطيط وغيره وغيره.

تحت هذا الوابل من التغذية المكثفة أصبحت أنا وبدأت أنت تمارس الكثير من أنماط التفكير أهمها وأكثر وضوحاً سلوك الببغاء في تكرار المصطلحات التي تقذف علينا صباحاً مساءً دون أن نعي علاقتنا بها ولا نشعر مدى ارتباطها بثقافتنا ونمط تفكيرنا. يا ترى ماذا نريد من توظيف مصطلحات ندخلها عنوة في جملنا شبه المفيدة مثل منفتح، منغلق، تغيير، تخطيط، أصولي، متزمت، استراتيجي. فمثلاً ما ننعت بعضنا أو غيرنا بالمنفتح، فماذا ياترى نريد بالانفتاح؟ هل هو من لا يعتني بالأخلاق العامة والالتزامات الأدبية؟ وقد يقال من يقبل الآراء المضادة ويتعايش معها وقد يقول لك آخر المنفتح الذي يعيش مع الجميع ولا يبالي أينما كان. وهكذا يستمر التفسير ولكن ياترى كم أنت منفتح! وكم أنا أحصل على الانفتاح منك!؟ ويكثر الحديث عن الإصلاح ويزاحم على مقام المصلحين ولكن ما هو الإصلاح؟ ومن أين يبدأ؟ وأين ينتهي؟ وإذا أنا وأنت مصلحون فلماذا لا نستمتع معاً بما أصلحنا؟ والأجمل في مصطلحاتنا الببغائية «التغيير» وخصوصاً إذا ما أعطيناه نكهة قوية بإضافة «استراتيجي «إليه نعم «التغيير الاستراتيجي» ما أبهاه! وما أجمله! ولكن ماذا يعني وكيف نعلم أنه تم ولماذا يجب أن يتم؟ وأين نقف أنا وأنت من التغيير؟ وهكذا وهلم جرا من المصطلحات الفضفاضة التي لم نكتف بتردادها في حديثنا اليومي بل أصبحت مادة دسمة «للرؤية والأهداف» للمؤسسات والدوائر على مواقعها الألكترونية الساكنة. لماذا نحتاج كلاما ضخما لنعبر عن مطلب بسيط؟ ولماذا نضخم العبارة والقدرة بسيطة؟ قد يكون حيلة العاجز الذي يرى في الكلام الكبير تعويضاً عن العجز الكبير. إنه هروب الفاشل للواقع السريالي الذي يحقق فيه تنفيس أحلامه وتخفيف إحباطه. أنت وأنا لسنا - بفعلنا هذا - في عالم العولمة بمدنيتها الاستهلاكية الكاسحة عناصر فاعلة للاستهلاك فقط بل نساهم ببغائيتنا البريئة ترويج ما لم نفهم لبقاء ما لم نع. ان مصطلحاتنا قد تتأصل وتأخذ طريقها بذوراً لإنتاج ثمار إذا وجدنا أنفسنا صانعين لثقافة المصطلح لا أدوات لاستهلاكه. ولكن مادام ذلك بعيد نبقى أنت ماذا وأنا من؟