آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شكرًا «كورونا».. سقطة لغوية

رجاء البوعلي * صحيفة الرأي السعودي

«شكرًا كورونا.. فقد علمتنا.. كذا وكذا» عبارة تكررت على ألسنة شخصيات متفاوتة في المستوى العلمي والمهني والاجتماعي بعد اتفاقهم على استحقاق كورونا للشكر! وسواء كنا داخل النار أو خارجها، هل نبرر استخدام لغة سريعة مرتبكة؟

«شكرًا كورونا لأنك علمتنا كيف نلتزم بيوتنا ونقضي وقتًا طويلًا مع أسرنا، ثم أعدت صياغتنا الأخلاقية وألغيت الفروقات التنافسية، فلم نعد جميعنا قادرين على السفر خارج البلاد، ثم لقنتنا درسًا قاسيًا في العلاقات بعد أن تبدد كثير منها وتبقى القليل يتفقدنا بعد مرورك الشاحب! وقد هذبت طمعنا وبطرنا بالنعم حتى صارت الأشياء بلا مذاق بعد أن قتلتنا المادية! أما اليوم فنحن خائفون من المادة، حتى زهور هولندا صارت تجمعها الحاويات وترميها بعد أن كنا نتهادى بها مرة ونتفاخر مرة أخرى، وما تبقى من الحب والتعبير عنه سوى المعنى.

شكرًا.. وشكرًا على أشياء لن تنتهي.. فهل كل هذا مبرر لتمرير لغة الشكر للوباء؟

يبدو أن الإنسان مستاء جدًا مما يدور حوله، مثل تباعد أفراد الأسرة، وطغيان الأنانية بتصعيد رغبات الذات وإهمال شؤون الآخرين، ومنزعج جدًا من سيطرة المادة على مختلف مفاصل الحياة، وهذا ما دعا البعض يقتنص هذا الظرف المزعج للناس ويشكر جائحة كورونا، ولكن، ما الجريمة الكبرى؟.

منذ أن هاجمت فيروسات كورونا رئات البشر، نشط عداد حصد الأرواح وانخفض معدل البشرية في هذا العالم، وهذه الجريمة تكفي! لتمنعنا من الخطيئة اللغوية بتمرير مثل هذه العبارات، فما هو الموت والرحيل مقابل دروس أولية في قضايا الأسرة والحب والسعادة والمال والعلاقات وغيرها؟.

إنها فصول بعثرها بعض الناس بأنفسهم وضيّعوا ترتيبها في الحياة، بينما حافظ عليها البعض الآخر وتمسكوا بعراها في ظل التحديات الثقافية والاجتماعية التي تضغط على الإنسان بشكل مستمر.

لقد روعت جائحة كورونا البشرية بأكلها الفاحش للرئات والقصبات الهوائية وهذا تطفل فاحش تمتطيه فوق آمال الناس وأحلامهم في البقاء، أما الدروس المنسية التي فرح بها الناس فلن يذكروها لو قُضمت رئة صديق أو قريب لهم، فرفقًا بمشاعر الإنسانية، لا تشكروا «كورونا» يكفي أن توقظكم ضربتها.