آخر تحديث: 13 / 7 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «18»

محمد أحمد التاروتي *

الاستثمار الأمثل لساعات شهر رمضان، جواز المسلم لنيل رضوان الله وغفرانه، خصوصا وان الفسحة الزمنية للشهر الكريم ليست كبيرة، ولكنها مساحة كافية للدخول في ساحة رحمة الله، ”عبادَ الله، إنَّ شهرَكم ليس كالشُّهور“، مما يعطي شهر المغفرة وضعا استثنائيا، لتحفيز الصائم على الاستغلال المناسب، لكل دقيقة وساعة للتقرب الى الله بشتى الصور، لاسيما وان الاعمال الصالحة ليست مرهونة بممارسات، او أساليب خاصة، فكل عمل يخرج عن اطار الاعمال السيئة، يدخل في دائرة العبادة والقرب من سبحانه وتعالى، وبالتالي فان محاولة وضع جميع الاعمال في اطار رضوان الله تعالى، يحدث الفرق لدى الصائم بشكل مباشر ”أيّامُه أفضلُ الأيّام ولياليه أفضلُ اللّيالي وساعاتُه أفضلُ السّاعات“.

وضع الصائم إطارات محددة للتحرك بشكل دائم خلال ساعات الصيام، يمثل احد المحركات الأساسية لاحداث اثر عميق في النفس، لاسيما وان الإطارات ذات العلاقة المباشرة بالعلاقة مع الخالق، تساعد في إعادة ترتيب الأوراق بما يحقق الغاية الكبرى، خصوصا وان الانسان العاقل يتحرك بما ينسجم مع مغفرة الله ورضوانه، في جميع اعماله الخاصة والعامة، وبالتالي فان وجود الرغبة الصادقة للاستفادة القصوى من شهر الصيام، خطوة هامة في سبيل وضع الأمور في النصاب السليم، فالصائم يدرك تماما انه ضيف الله في شهر المغفرة، ”كل عمل ابن آدم هو له، غير الصيام هو لي وأنا أجزي به“، مما يستدعي وضع ذلك في الاعتبار في جميع الاعمال على مدار الساعة، لتفادي غضب الله او الاقدام على الاعمال السيئة.

ايمان المسلم برحمة الله الواسعة وكرمه الدائم، على عباده في جميع الأوقات، عنصر أساسي في الاجتهاد في سبيل التقرب من الله، ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ، فالمرء مطالب بإنجاز الاعمال الصالحة على اختلافها، بهدف الحصول على المغفرة والتوفيق في الحياة الدنيا، لاسيما وان المسلم يعمل الصالحات للفوز بالجنان، والعتق من النيران، ”وَبَراءةً مِنَ النّارِ فَاكْتُبْ لَنا وَفِي جَهَنَّمَ فَلا تَغُلَّنا وَفِي عَذابِكَ وَهَوانِكَ فَلا تَبْتَلِنا وَمِنَ الزَّقُومِ وَالضَّرِيعِ فَلا تُطْعِمْنا وَمَعَ الشَّياطِينَ فَلا تَجْعَلْنا وَفِي النّارِ عَلى وُجُوهِنا فَلا تَكْبُبْنا وَمِنْ ثِيابِ النّارِ وَسَرابِيلِ القَطِرانِ فَلا تُلْبِسْنا وَمِنْ كُلِّ سُوءٍ يا لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ بِحَقِّ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ فَنَجِّنا“، وبالتالي فان الالتزام بفريضة الصيام تجسيدا عمليا برغبة المسلم بمرضاة الله، ”وهو شهرٌ يقبل أهل الأيمان بالمغفرة والرّضوان والرَّوْح والرَّيحان ومرضاتِ الملِك الديَّان“.

عملية الاستغلال المناسب لشهر رمضان تنطلق من الذات أولا، فاصحاب الهمم العالية يتصرفون وفقا لرضوان الله، ويحرصون على أداء الاعمال في اوقاتها، وترك التكاسل، بهدف الحصول على المغفرة، والاستزادة من الثواب، بيد ان الاعمال تزيد حصتها خلال شهر رمضان المبارك، نظرا لوجود عوامل عديدة تدفع لانتهاج الاكثار من العبادة، والتقرب الى الله سبحانه وتعالي، لاسيما وان الشهر الكريم يمتاز عن غيره من الشهور بكونه ”أيّامُه أفضلُ الأيّام ولياليه أفضلُ اللّيالي وساعاتُه أفضلُ السّاعات، هو شهرٌ الشّياطينُ فيه مغلولةٌ محبوسَة“، مما يفتح المجال امام الانسان للتحرك بحرية واسعة، بعيدا عن الضغوط الشيطانية، او التكاسل في أداء الاعمال العبادية، وبالتالي فان توافر الأجواء المشجعة يدفع الصائم على الاجتهاد في العبادة، ومحاولة الخروج بأكبر المكاسب الاخروية من الشهر الكريم.

ادراك الصائم بمضاعفة الثواب والحسنات في شهر رمضان المبارك، عنصر أساسي في الاندفاع الكبير نحو العبادة، بمختلف اشكالها الشخصية والاجتماعية، ”هو شهرٌ يزيدُ الله فيه الأرزاقَ والآجالَ“، بمعنى اخر، فان إيجاد قنوات الاعمال الخيرية عملية أساسية للانخراط في سلك رضوان الله، فهناك العديد من الاعمال ذات الاطار الاجتماعي، ولكنها تدخل في صميم اعمال الخير، مما ينعكس إيجابيا على المعاني الكبيرة لشهر الصيام أولا، وثانيا تجسيد الاعمال الخيرية بشكل عملي، مما يعزز التماسك الاجتماعي، ويرفع من الإحساس بالاخرين، وبالتالي فان شهر الصيام يشكل محفزا كبيرا، لدفع المسلم نحو العطاء بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

"عبادَ الله، إنَّ شهرَكم ليس كالشُّهور؛ أيّامُه أفضلُ الأيّام ولياليه أفضلُ اللّيالي وساعاتُه أفضلُ السّاعات، هو شهرٌ الشّياطينُ فيه مغلولةٌ محبوسَة، هو شهرٌ يزيدُ الله فيه الأرزاقَ والآجالَ، ويَكتب فيه وَفْدَ بيتِهِ، وهو شهرٌ يقبل أهل الأيمان بالمغفرة والرّضوان والرَّوْح والرَّيحان ومرضاتِ الملِك الديَّان".

كاتب صحفي