آخر تحديث: 21 / 9 / 2020م - 1:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «20»

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ بعض سياسة الاغتيال، كوسيلة لاسكات صوت الحق بشكل نهائي، خصوصا وان الكلمة الصادقة تشكل تهديدا حقيقيا في فضح الأساليب الملتوية، او ممارسات الكذب على الرأي العام، مما يدفع لاتخاذ التصفية الجسدية للتخلص، من ”ازعاج“ صوت الحق في البيئة الاجتماعية، لاسيما وان الفشل في اسكات الكلمة الصادقة يدفع للتفكير في لاستخدام ”الاغتيال“، كوسيلة أخيرة في معركة الصراع بين الحق والباطل.

إمكانية اسكات الكلمة الصادقة عبر الاغتيال ليست ناجحة على الدوام، خصوصا وان الحق يجد طريقه الى القلوب بسرعة، مما يجعل أصحاب الكلمة الصادقة اكثر قدرة، على البقاء في الضمير الاجتماعي لفترة طويلة، الامر الذي يضع خيارات التصفية الجسدية غير مفيدة في الكثير من الأحيان، خصوصا وان الاغتيال يسهم في رفع رصيد تلك الشخصيات في البيئة الاجتماعية، مما يزيد من حضورها في الرأي العام الاجتماعي، وبالتالي فان التصفية الجسدية تمثل خيارا ”فاشلا“، في الغالب للاستحواذ على الساحة الاجتماعية والسياسية.

اعتماد التصفية الجسدية في التعامل مع الخصوم على اختلافهم، تكشف ”ضيق الصدر“ في احترام الرأي الاخر، وعدم القدرة على تحمل تبعات الخلافات السياسية، وكذلك قصر النظر في التعامل مع التموجات الثقافية، السائدة في الساحة الاجتماعية، وبالتالي فان الاقدام على الاغتيال يحدث اثرا عكسيا على الاطراف المستفيدة، من إزاحة المنافس جسديا من الساحة الاجتماعية، نظرا لامكانية تجذر وجهة نظر الطرف الاخر لدى شريحة اجتماعية واسعة، مما يجعلها اكثر قدرة على تشكيل قاعدة شعبية واسعة خلال الفترة القادمة.

الغباء السياسي يشكل احد عوامل اعتماد سياسة الاغتيال، خصوصا وان الصراع السياسي يستدعي تعدد وجهات النظر، في مختلف القضايا الاجتماعية، بهدف الحصول على خيارات متعددة، والعمل على تقريب وجهات النظر، بما يحقق الفائدة الكبرى على الصعيد الشعبي، بيد ان التصفية الجسدية تقضي على تعدد العقول، وتستهدف الاستحواذ على الساحة، وفضلا عن تجسيد اعتماد مبدأ فرعون ”قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى? وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ“، وبالتالي فان التحرك السياسي القائم على طرد الآراء المخالفة، لا يخدم الساحة الاجتماعية على الاطلاق، نظرا لامكانية حدوث تحولات كبرى، لم تكن في وارد التفكير، لدى أصحاب سياسة الاغتيال السياسي.

الفشل في السيطرة على الساحة الاجتماعية، وأحيانا عدم القدرة نشر الفكر السياسي، في المجتمع، عوامل ضاغطة لاعتماد سياسة الاغتيال السياسي، خصوصا وان غياب المنهج الفكري الواضح، والانقلاب الثقافي في بينة الجماعة السياسية، يشجع على الدخول بقوة في سياسة التصفية الجسدية للأطراف المناسبة، لاسيما وان الطرف الضعيف يحاول الاستقواء بالخداع والقوة، للظهور في الساحة الاجتماعية، بحيث يترجم على شكل اعدامات ”علنية“، وأحيانا بواسطة ”إن لله جنودا من عسل“، وهذه السياسة التي اعتمدت بصورة واضحة في التاريخ الإسلامي، بعد خلافة الامام علي .

الاغتيال السياسي لسيد الاوصياء ، لا يمكن حشره في زاوية الصراع المحدود مع الخوارج، نظرا لوجود انحرافات دينية لدى هذه الفئة، خصوصا بعد رفض نتيجة التحكيم في معركة صفين، فالقضية أعمق من هذه النظرة واكثر شمولية من حصرها ضمن حدود محددة، او تأطيرها في اتجاهات معينة، فالاغتيال يكشف عن وجود ”ثقافة جديدة“ بدأت تطل برأسها، في بنية التفكير المجتمع الاجتماعي، من خلال استخدام لغة السيف، واعتماد سياسة التصفية الجسدية، في التخلص من المنافس، في شتى المجالات الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية، وغيرها من الجوانب الأخرى.

سيف اشقى الاشقياء بن ملجم، يمثل نموذجا صارخا لسياسة الاغتيال، التي بدأت تغزو تفكير الجماعات السياسية القائمة، في المجتمع الإسلامي، فالسيف الذي طبر هامة الامام علي ، تحركه ثقافة جماعية لدى شريحة متنفذه في المجتمع الإسلامي، وليست مقصورة او محدودة ضمن فئة قصيرة، فهذه السياسة توسعت بشكل كبير في مختلف مراحل الدولة الاموية، وكذلك الدولة العباسية، مما يعطي دلالة على تغلغل هذه الوسيلة، في بنية التفكير السلطوي الحاكم، وبالتالي فان التصفية الجسدية تمثل الخيار الأكثر استخداما في التعاطي مع الخصوم، سواء جماعات فكرية او سياسية، بحيث لم تقتصر على الشخصيات الدينية المعروفة، وانما شملت كذلك فئة الشعراء، اذ واجه الشعراء مصيرا مشابها لمصير القادة، من خلال المطاردة او الاغتيال.

كاتب صحفي