آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنسان والأوبئة صراع على مر العصور

صراع الإنسان في هذا الكون مع الأمراض والفاشيات والأوبئة والجائحات قديم منذ قدم الإنسان في هذا الكون، منها ما قد دون وخلد في السجلات والكتب ومنها لم يدون وربما قد أصبح منسيا عبر التاريخ لم يصلنا ولم نعرفه، فعلى سبيل المثال تشير السجلات أن أول فاشية الطاعون كانت بين الفلسطينيين في العام 1320 قبل الميلاد وقد ذكرت في الكتاب المقدس «صموئيل الأول الخامس والسادس»، أما مرض الجدري فيُعتقد أن أصوله تعود إلى الإمبراطورية المصرية في القرن الثالث قبل الميلاد، استنادًا إلى طفح جلدي شبيه بالجدري تم العثور عليه في ثلاث موميات كما ظهر أقدم وصف مكتوب لمرض يشبه الجدري بشكل واضح في الصين في القرن الرابع الميلادي وفي الهند في القرن السابع وفي آسيا في القرن العاشر، أما في العام 400 قبل الميلاد، قام الطبيب أبقراط بتدوين الأمراض في ذات الوقت وكانت الكوليرا على رأس القائمة حيث ظهر مصطلح ”الكوليرا“ كمرض عدة مرات في كتاباته.

كان مرض الطاعون أحد أهم الجائحات التي عرفها التاريخ على مر العصور حيث ذكر العلماء والباحثون أن الطاعون كجائحة والتي كان العلماء على يقين من حدوثها لأول مرة كانت بين 542 م و546 م، وقد عرفت باسم طاعون جستنيان Justinian's plague وأصابت نحو 100 مليون من البشر في أسيا وأوروبا وأفريقيا، أما جائحة الطاعون الثانية كانت قد حدثت خلال القرن الرابع عشر 1347-1350 م وتسببت في وفاة ربع سكان العالم آنذاك وبما يقدر بنحو 50 مليون شخص وكان تعرف باسم ”الموت الأسود“، أما الجائحة الثالثة حدثت في عام 1894 وبدأت في كانتون وهونغ كونغ وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء العالم بواسطة الفئران على متن السفن البخارية السريعة وفي غضون 10 سنوات «1894-1903» دخل الطاعون 77 ميناء في خمس قارات.

هنا يطرح السؤال ما الفرق بين الوباء والجائحة؟ نجد الجواب جلياً من مجتمع إصابات تلك الجائحات الثلاث حيث يتبين لنا معنى مصطلح الجائحة العلمي والمستخدم كثيرا في علوم الوبائيات والصحة العامة والطب الوقائي حيث إذا اتسع نطاق الوباء وانتشر وعبر حدود الدول والأقاليم إلى القارات والعالم أصبح يسمى جائحة.

أما للإجراءات العلاجية والوقائية التي كانت تستخدم آنذاك منها ما هو معروف ومعلوم ومنها ما هو مجهول، ولعل مما هو معروف منها هو تاريخ ممارسة الحجر الصحي كتدخل وقائي خلال القرن الرابع عشر في الجائحة الثانية للطاعون السالفة الذكر في محاولة لحماية المدن الساحلية من أوبئة الطاعون، حيث كان على السفن القادمة إلى البندقية من الموانئ المصابة أن تجلس عند المرسى لمدة 40 يومًا قبل أن يسمح لها بأن ترسي، ولذلك قد اشتقت كلمة الحجر الصحي Quarantine من الكلمات الإيطالية quaranta giorni والتي تعني 40 يومًا.

أما بالنسبة للتدخلات الوقائية لمرض الجدري والذي كان مرضا مدمرا فتاكا آنذاك حيث مات بسببه 3 من كل 10 أشخاص قد أصيبوا به وخلف لأولئك الأشخاص الذين نجوا منه ندوباً كانت شديدة في بعض الأحيان، فكانت إحدى الممارسات الطبية الأولى للسيطرة على انتشاره هي استخدام «التجدير» Variolation نسبة إلى الفيروس الذي يسبب الجدري Variola، وهي العملية التي يتم من خلالها إعطاء المواد من قروح الجدري «البثور» للأشخاص الذين لم يسبق لهم الإصابة بالجدري وقد تم ذلك عن طريق إدخال المادة في الذراع أو استنشاقها عبر الأنف وكانت تعطى بمثابة التطعيم للأشخاص الذين لم يصابوا بهذا المرض مسبقا، حيث في عام 1796 لاحظ طبيب إنجليزي يدعى إدوارد جينر أن العاملات اللاتي يحلبن البقر واللاتي أصبن بجدري البقر لم تظهر عليهن أي أعراض للجدري وقد قام بعدة تجارب لاختبار هذه النظرية كانت أولها على سارة التي كانت تعمل حلابة للبقر وعلى الطفل جيمس ابن العامل في حديقته حيث أخذ الدكتور جينر مادة من قرحة جدري البقر الموجودة على يد سارة وحقنها في ذراع جيمس وبعد عدة أشهر قام الدكتور جينر بتعريض الطفل لفيروس الجدري ولكنه لم يصاب به، وفي عام 1801 نشر جينر أطروحته والتي لخص فيها اكتشافاته وأعرب عن أمله في إبادة الجدري.

بعد قرنين تقريبًا من نشر جينر أمله في أن يؤدي التطعيم إلى القضاء على الجدري، وبعد جهود حثيثة من منظمة الصحة العالمية وحملة تحصين عالمية امتدت لسنين عديدة كانت آخر إصابتين بالمرض في العالم قد سجلت في عام 1975و1977، الأول لطفلة تدعى رحيمة تبلغ من العمر ثلاث سنوات من بنغلاديش، حيث تم عزلها في المنزل مع تكليف حراس للمنزل طوال اليوم حتى شفيت وأصبحت غير معدية وبدأت على الفور حملة تطعيم للمنازل التي تقع على بعد 1,5 ميل من منزلها، وتمت زيارة جميع المنازل والمباني التي تقع في نطاق 5 أميال من منزلها بواسطة أحد أعضاء فريق برنامج استئصال الجدري للتأكد من عدم انتشار المرض كما تم تقديم مكافأة لأي شخص للإبلاغ عن حالة الجدري والإصابة الأخيرة كانت لشخص اسمه علي ويعمل طباخا في مستشفى في الصومال وقد رافق اثنين من مرضى الجدري في سيارة من المستشفى إلى مكتب الجدري المحلي حيث اصيب بالجدري وتم عزله لحين شفاؤه بالكامل وقد توفي علي مؤخرا بسبب الملاريا في 2013 أثناء عمله في حملة استئصال شلل الأطفال.

أما جانيت باركر فكانت هي آخر شخص يموت بسبب الجدري في عام 1978، حيث كانت تعمل مصورة طبية في كلية الطب بجامعة برمنغهام في إنجلترا في الطابق العلوي لقسم الأحياء الدقيقة الطبية التي تتم فيه أبحاث الجدري حيث يعتقد أنها أصيبت به إما عبر طريق الهواء عبر نظام قنوات المبنى أو عن طريق الاتصال المباشر أثناء زيارتها لممر علم الأحياء الدقيقة، ونتيجة ذلك وبالتحديد في 8 مايو 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميًا في اجتماعها الثالثة والثلاثون أن العالم خالٍ من هذا المرض ويعتبر استئصال الجدري أكبر إنجاز في تاريخ الصحة العامة الدولية ويعتبر أول مرض انتصر عليه البشر والإنسان والوحيد بينها.

بعد القضاء على الجدري، قرر العلماء ومسؤولو الصحة العامة أنه لا تزال هناك حاجة لإجراء بحوث على فيروس الجدري واتفقوا في عام 1981على تخفيض عدد المختبرات التي تحتفظ بمخزون من فيروس الجدري إلى أربعة مواقع فقط هي الولايات المتحدة وإنجلترا وروسيا وجنوب إفريقيا، أما حاليا يوجد موقعان فقط حيث يتم تخزين فيروس الجدري رسميًا تحت إشراف منظمة الصحة العالمية: وهماCDC مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا جورجيا، ومركز أبحاث الفيروسات والتكنولوجيا الحيوية «معهد فيكتور» في كولتسوفو، روسيا، مما أدى إلى المخاوف باحتمال استخدام الجدري يومًا ما كأحد عوامل الحرب البيولوجية.

أما في التاريخ الحديث، كانت جائحة الإنفلونزا عام 1918 المعروفة بالإنفلونزا الإسبانية على رأس القائمة وأشد جائحة في التاريخ الحديث، حيث انتشرت في جميع أنحاء العالم وأصابت ثلث سكان العالم بما مجمله حوالي 500 مليون شخص وقدرت عدد الوفيات بما لا يقل عن 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وكان المسبب لها فيروس H1N1.

سنصحبكم في المقال القادم استكمالا لموضوع الجائحات، وسنتحدث كيف قاومها الإنسان بالتطعيم والتمنيع وكيف قاومت هي بالتحور والتغيير الجيني لسلالاتها...!

طبيب استشاري مشارك في الطب الوقائي والصحة العامة