آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 10:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحسد.. والتباهي بالنعم

عبدالله الحجي *

الحسد هو أحد الأمراض النفسية التي تُبتلى بها المجتمعات بوجود أفراد مرضى يغيظهم ويزعجهم رؤية غيرهم يرفلون في نعم الله سبحانه وتعالى بمختلف أنواعها فيتمنون زوال تلك النعم عنهم ولا يهنأ لهم بال إلا بعد زوالها. وقد حذر منه النبي الأكرم ﷺ ووصفه بداء الأمم في قوله: ألا إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم وهو الحسد، ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين“ [1] 

البعض منهم قد يتظاهر بالصداقة والود والحب ويُظهر ذلك في أقواله ولكنه لا يستطيع تحمل ذلك فيظهر في أفعاله وتصرفاته. قال الإمام علي : ”الحاسد يظهر وده في أقواله، ويخفي بغضه في أفعاله، فله اسم الصديق وصفة العدو.“ [2] 

الحسد هو أحد آفات الدين كما ورد عن الإمام الصادق : ”آفة الدين الحسد والعجب والفخر.“ [3]  والحاسد يخسر إيمانه وحسناته التي اكتسبها وذلك لشعوره بعلو مكانة وشأن المحسود ودنو منزلته ومكانته وشعوره بالنقص والحقارة التي تؤجج نار الحقد والحسد في قلبه. قال رسول الله ﷺ: ”إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.“ [4]  وقال الإمام علي : ”إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب“. [5]  وذلك لأن الحاسد واقعا يعترض على قضاء الله وحكمته وقضائه وتقسيمه للأرزاق بين عباده. قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ“. [6]  وورد عن رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل لموسى بن عمران : يا ابن عمران لا تَحْسُدْنَ الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك كذلك فلست منه وليس مني.“ [7] 

وماذا يستفيد الحاسد غير المرض الجسدي والنفسي والحسرة والعيش في هم وغم وكمد، والكراهية من قبل الآخرين، والعيش في عزلة من المجتمع منبوذا غير مرغوب فيه. قال الإمام علي : ”الحسد لا يجلب إلا مضرة وغيظا يوهن قلبك ويمرض جسمك“، وقال: ”صحة الجسد من قلة الحسد“، وقال: ”من ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس“ [8] 

فمع هذه الخسارة الكبرى في الدين والمضار التي يعيشها الحاسد وفي نهاية الأمر لا يستفيد شيئا من زوال النعمة عن أبناء مجتمعه وقد يكونون من أقرب المقربين إليه. فما يضيره لو اقتنع وسلم بما قسمه الله له من نعم ورضي بحكمة الله وقضائه واستبدل الحسد بالغبطة وتمنى وسأل الله أن يرزقه مثل تلك النعم بدون أن يتمنى زوالها من الآخرين فذلك أمر حسن يعود عليه بالنفع ويحفظ له إيمانه. قال الإمام الصادق : إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط.“ [9] 

نعم كما ورد في الحديث ”إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده“، ولكن للوقاية من الحسد ينبغي على من أنعم الله عليه من فضله الاستعانة على قضاء حوائجه بالكتمان قدر المستطاع، وعدم التباهي والتفاخر بالنعم عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي مراعاة لمشاعر ونفوس الآخرين الذين قد لا تخلو نفوس بعضهم من مرض الحسد وقانا الله وجميع المسلمين شرهم. قال رسول الله ﷺ: ”استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود.“ [10] 

[1]  الأمالي - الشيخ المفيد - ص 344



[2]  غرر الحكم: 1478



[3]  الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - الصفحة 307



[4]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 70 - الصفحة 255



[5]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 70 - الصفحة 244



[6]  سورة النساء - آية 54



[7]  أصول الكافي 2:307



[8]  ميزان الحكمة - محمد للريشهري - ج 1 - الصفحة 630



[9]  الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - الصفحة 307



[10]  ميزان الحكمة - محمد للريشهري - ج 1 - الصفحة 630