آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 5:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

الصحوة.. العاطفة

محمد أحمد التاروتي *

هل المظاهرات التي تجتاح الولايات المتحدة على خلفية قتل جورج فلويد «الأمريكي من اصل افريقي» في الخامس والعشرين من مايو الماضي.. ردة فعل عاطفية مؤقتة سرعان ما تختفي بعد فترة قصيرة ام تمثل صحوة ضمير لإزالة تراكمات متجذرة في الثقافة الاجتماعية منذ اكتشاف أمريكا والقائمة على العنصرية وازدراء العنصر ”الأسود“؟.

مشاهد الاحتجاجات التي تتناقلها وسائل الاعلام العالمية، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، ليست قادرة على إعطاء إجابة واضحة على حقيقة تلك المظاهرات، فالوسائل الاعلامية تتعاطى مع الحدث عبر نقل الصورة، ومحاولة إيصال تلك التموجات البشرية الى العالم بطرق مختلفة، باعتبارها محط اهتمام الرأي العام العالمي، وبالتالي فانها ليست بصدد إعطاء إجابات شافية او عميقة، لدراسة الأسباب الحقيقية وراء التفاعل الكبير مع قضية ”فلويد“.

عملية قتل ”البشعة“ تتجاوز الجريمة النكراء التي ارتكبها بعض عناصر الشرطة في مدينة ”منيابولس“ الأمريكي بحق جورج فلويد، فهي تدخل في صميم الثقافة الاجتماعية السائدة في المجتمع الأمريكي، خصوصا وان السياسة العنصرية تمثل احدى ملامح تشكيل الثقافة الأمريكية منذ القرن السابع عشر، والتي استمرت حتى القرن التاسع عشر.

وجهات النظر غير قادرة على رصد ملامح الاحتجاجات المستمرة، في العديد من الولايات الامريكية على خلفية قتل ”فلويد“، نظرا لاستمرار موجة الغضب على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل عملية تحديد مسارات الاحتجاجات صعبة حاليا، مما يتطلب بعض الوقت لقراءة نتائج تلك الوقفة غير المسبوقة من الشعب الأمريكي، على عملية ”القتل“ الباردة بحق مواطن، بيد ان التعويل على احداث تغييرات في بنية الفكر الاجتماعي لدى الشارع الأمريكي امر مشكوك فيه، خصوصا وان عملية التغيير تتطلب توافر العديد من الاليات، والمزيد من العناصر القادرة على الانتقال باتجاه المسار الاخر، بالإضافة لذلك فان الولايات المتحدة سجلت الكثير من عمليات الاحتجاج خلال العقود الماضية، على خلفية عمليات قتل مماثلة طالت ”العنصر الاسواد“، بيد انها سرعان ما اختفت سواء من خلال احتوائها من قبل الأجهزة الحكومية، او نتيجة غياب البيئة الاجتماعية الخصبة، لاحداث التحولات الثقافية الجذرية.

الإدارة السياسة تراهن على الزمن، في امتصاص موجة الغضب المستعرة في الوقت الراهن، فالعملية تتطلب فترة زمنية لاعادة الأوضاع الى سابق عهدها، خصوصا وان العاطفة تحدث حالة من الهيجان السريع تجاه عملية ”قتل“ بشعة، مما يستدعي انتهاج ”الصبر الطويل“ لإتاحة المجال امام عشرات الالاف، من المتظاهرين لتفريغ شحنة الغضب، وبالتالي فان التهويل من فقدان السيطرة على الأمور ليس واردا على الاطلاق، نظرا لوجود خطوط حمراء يصعب تجاوز من قبل جميع الأطراف، مما يستدعي اتخاذ سبيل الحكمة في التعامل مع موجة الاحتجاجات، بغرض الاحتواء الإيجابي.

بينما ينظر البعض الى موجة الاحتجاجات كنوع من صحوة ضمير انساني، خصوصا وان التغاضي عن عمليات القتل المتعمد على العنصر الأسود، يسهم في التمادي وارتكاب المزيد من الاعمال الاجرامية، مما يستدعي التحرك السريع لوقف مثل هذه الممارسات غير الأخلاقية، خصوصا وان المواطنة تفرض الاحترام الكامل للجنس البشري، بعيدا عن اللون او العرق او الدين، وبالتالي فان الوقفة الكبيرة لرفض قتل ”فلويد“ لا تستهدف الشخص بعينه، بقدر ما تستهدف الثقافة المتجذرة في الولايات المتحدة، نظرا لوجود ترسبات متوارثة عبر الأجيال تجاه العنصر الأسود، منذ حقبة المستعمرات البريطانية، وكذلك نتيجة طبيعة التفكير السائد في الولايات المتحدة، منذ تشكيلها على الخارطة العالمية.

بالرغم من الاختلافات الحاصلة في طبيعة قراءة الاحتجاجات الجارية، في الولايات المتحدة على خلفية قتل ”فلويد“، فانها بذرة قابلة للنمو في البيئة الامريكية، خصوصا وان الهبة الكبرى تعكس صحوة الضمير الإنساني، تجاه الممارسات الظالمة تجاه البشر، بعيدا عن الجنس والعرق واللون الدين، فالعاطفة محرك أساسي في المظاهرات الحاصلة، ولكنها ليست قاسما مشتركا لجميع تلك الحشود الكبيرة، فهناك اطراف تتحرك لاقتلاع ثقافة الازداء بحق بعض الفئات الاجتماعية، وأخرى تعمل لاعادة رسم مرحلة جديدة، وثالثة تعمل للتعبير عن رفض المنهج السياسي للإدارة الحاكمة، وبالتالي فان وضع الجميع في اطار واحد ليس صحيحا على الاطلاق.

كاتب صحفي