آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 1:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

وجه كورونا

محمد أحمد التاروتي *

استطاعت جائحة كورونا اماطة اللثام عن الكثير من المواقف، والعديد من التوجهات، فالازمة التي طالت جميع مفاصل الحياة الاجتماعية، وضعت مختلف الشرائح الاجتماعي امام تحديات حقيقية، مما فرض اتخاذ مسارات محددة، بحيث اتسمت البعض منها بالعقلانية، والأخرى بالتخبط، مما يعكس القدرة على اظهار التوازن في الامتحانات الصعبة، وبالتالي فان الموقف يعطي انطباعات واضحة عن ماهية المرتكزات الثقافية، لدى كل شريحة تجاه التعاطي مع الازمة الراهنة.

الانقسام الواضح في المسارات لاتخاذ الاليات المناسبة، للتعامل مع جائحة كورونا، عملية طبيعية وغير مستغربة، نظرا لتفاوت التوجهات الفكرية، وتعدد الاهتمامات على مختلف الأصعدة، بيد ان المشكلة تكمن في محاولة استغلال الازمة بطريقة غير أخلاقية، بحيث بدأت تظهر على شكل ”افخاخ“، تنصب لاصطياد الناس لتحقيق مكاسب، فتارة تكون تلك المكاسب ذات طبيعة مالية، وتارة تكون مغانم اجتماعية.

القناعات الفكرية تعتبر المحرك الأساس وراء اتخاذ احد المسارات، بحيث تظهر منذ اللحظات الأولية لعملية التعامل مع الجائحة، خصوصا وان كورونا خلقت واقعا اجتماعيا مغايرا، تماما على شبكة العلاقات بشكل عام، وبالتالي فان النظرة السلبية او الإيجابية مرتبطة بنوعية الثقافة المحركة في الأساس، مما يعني، ان الوصول الى المعالجات السليمة على الصعيد الاجتماعي لتداعيات ازمة كورونا، مرتبطة بنوعية الثقافة الحاكمة في الوسط الاجتماعي، فاذا كانت قائمة على مبدأ ”التعاون“ و”التضاعد“، فانها ستكون اكثر قدرة، على وضع نهاية سعيدة للاثار الاجتماعية، فيما ستكون سلبية وتدميرية في البيئة الاجتماعية، بمجرد اتخاذ منحى ”الانعزالية“ و”الانانية“ و”الفردية“، في طريقة التعامل مع الازمة القائمة، خصوصا وان الاثار المترتبة على كورونا ليست انية، وانما ستبقى ماثلة على المكونات الاجتماعية لفترة، تختلف مدتها تبعا للاليات المتبعة في المعالجات الاجتماعية.

التوقف مليا امام ماهية المسارات تجاه جائحة كورونا، يضع النقاط على الحروف في الكثير من الأحيان، خصوصا وان المواقف تمثل مرآة للقناعات الشخصية في الغالب، مما يعطي انطباعات تارة تكون إيجابية وأخرى سلبية، نظرا لاختلاف المسارات المتخذة، تجاه الاليات المستخدمة في معالجة ازمة كورونا، وبالتالي فان الانخراط او تبني احدى المسارات، يتطلب بعض التريث قبل الوقوع في المحظور، خصوصا وان المسارات ليست على مقاس واحد، فالبعض ”فصل“ على مقاس أصحابها بالدرجة الأولى، مما يجعل الدخول فيها معركة خاسرة في الغالب.

ازمة كورونا أضاءت الطريق، فيما يتعلق بالمسارات الخاصة لكل فريق، فالبعض يحاول التواري خلف بعض ”العبارات“ الرنانة لاخفاء الحقيقة، ومحاولة الالتفاف على المجتمع بطريقة ملتوية، مما يجعله غير واضح في الإفصاح عن أهدافه الحقيقية، بيد ان إخفاء المرامي لا يستمر طويلا على الاطلاق، ”مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ“ وبالتالي فان إزالة الغموض المصير المحتوم لكل مسار في الحياة، فيما البعض الاخر يتخذ منهجية الوضوح منذ البداية، من خلال التعاطي بنوع من الشفافية العالية، فهذا الفريق لا يجد غضاضة في التعبير عن مواقفه، سواء كانت سلبية او إيجابية، نظرا لانتهاج الاليات الواضحة في جميع الخطوات المتخذة، مما يجعل عملية قراءة مساراته ليست صعبة.

أعطت كورونا مساحة واسعة للجميع، للخروج من حالة الصمت، والقضاء على موقف ”الغموض“ واللون ”الرمادي“، حيث اعتمدت بعض الفئات في التصريح عن مواقفها بشكل واضح، باعتبارها الطريقة المناسبة للوصول الى بر الأمان، والقضاء على النظرة السلبية لظهور ازمة كورونا، خصوصا وان ”التشاؤم“ يولد حالة من الانكسار الداخلي، مما يقضي على الإرادة، والتحرك الفاعل للوقوف، امام الزحف الكبير للجائحة على الصعيد الاجتماعي، فيما انتهجت بعض الفئات التعامل طريقة ”سلبية“ للغاية، مما ساهم في شل حركتها، وادخال البيئة الاجتماعية في مسارات طويلة أحيانا، ومظلمة أحيانا أخرى، نظرا لافتقارها للقدرة على التحرك بشكل سليم، الامر الذي انعكس على طبيعة شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة

كاتب صحفي