آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

وداعًا عمار

أثير السادة

كنت في الثانية عشرة، أو ربما الثالثة عشرة من العمر، يوم استمعت لشريطه الأول، أناشيد من طبيعة الوقت الذي كنا فيه، أناشيد لا تشبه إلا أسئلة الناس في منعطف التحولات السياسية والثقافية.. تسلل صوته إلينا أول مرة من نوافذ الخوف، كما هي كل الكاسيتات التي عبرت من منصات التدين الجديد، صوت عميق كنهمة النهام، لكنه هادئ كناسك في محراب الليل، عرفناه بلا صور، ولا ملامح، كغيره من الذين ترجموا وجع النخيل إلى قصائد للحزن، وتعاويذ للأرض التي سخنت وثارت براكينها.

طاف بنا الوقت أشواطه، وخرج الناس من مضيق الثورة، وظل صوته جرسا يرن في ذاكرتي، نشيد الأمس سيتحول إلى أناشيد للفرح كان يدعى لها في مناسبات الزواج الجماعي في بلدتنا، هو ذات الجرس الصوتي العصي على النسيان، يؤثث مرة أخرى فضاء الإنشاد في التسعينيات، صوت بلا زخرف ولا مبالغات أدائية، تشعر أحيانا بأنه اختار عن سابق إصرار عدم المغامرة بصوت يملك الكثير من الإمكانات، خشية أن يخرج من بيته الأول، بيت المنشدين الدينين في صورتهم الكلاسيكية، فتوهج ضمن حدود الدائرة التي صقلت روحه وصوته ومزاجه الفني.

تحولات الوقت مشت به شيئا فشيئا باتجاه صور جديدة من الأداء، والألحان، حاول أن يصغي مجددا لنهر الحياة ويدوزن إيقاع الماء فيه، تمازج الحزن والفرح في صوته مرات وهو يعبر إلى تجارب مختلفة عن سورة الثورة وسورة الأهزوجة الدينية، حمل سراجه واستدار باتجاه الغناء للوطن، للأعياد، للمهرجانات، وللكربلائيات التي لا تذبل في دفاتر المنشدين.. وظل صوته هو هو، عميقا ودافئا، لا يزيده العمر إلا مزيدا من النضارة والنضج.

مضى أبوسراج وتركنا على أطراف البدايات، نتذكره نشيدا في مفازة الحياة، وفي محراب الأمنيات، وفي ابتهالات الصلاة، نشيدا معجونا بطينة الأرض التي أحب…فلروحه آلاف الرحمات.