آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

وجوه لا تنسى/ عمار قريش ”الوجه الآخر الذي لا يعرفه الناس“

حسن آل ناصر *

حينما تنتهي بنا المسافات إلى لا رجعه حتما آلامنا تتفاقم من الفقد والبعد، ولكن حينما نرى تلك الوجوه المكتظة المتزاحمة لنعي من رحل نقول: هنيئا له تلك المحبة في قلوب الناس.

فقدت القطيف منشدها الغريد، بل فقدت الخليج ابنها البار المؤمن الذي كان يسمع صوته بين الازقة والشوارع وكراجات المنازل في ذكرى ومناسبات واعياد أهل البيت ، ذلك الرجل الجميل، جميل الخلق والخليقة الذي كان ولا زال فارس الإنشاد في ميدان الركب الولائي النير.

أبا سراج الذي لا يخفى على الجميع انجازاته منذ نعومة أظافره فقد تربى في كنف والدين مؤمنين ربياه في بيئة ولائية فقد كانت أمة تلفه بعباءة السواد حين تجوب المساجد والحسينيات ذهابا وايابا لـ «عزية بنت النبي ﷺ» وأباه ذاك الناعي الحسيني النهام الشجي في حب آل بيت النبوة الذي اشتهر بملازمة الخطيب الحسيني المعروف الشيخ هادي الكربلائي الخفاجي «1908م - 1949م»، وكما ذُكر لي بأن الشيخ يطلب منه البداء بقراءة النعي.

هناك في مدينة صفوى أرض الحب والعطاء وتحديدا في حي الشرية ولد الملا عمار بن عبد الكريم قريش في عام 1961م هذا الحي القديم الذي يشتهر بالبساتين والنخيل وكثافة الأشجار والعيون الجوفية، هنا تربى بهذه الاجواء وهذه البيئة الريفية هي من لعبت دورا مهما في نشأته وحياته طفولة وصبا، ثم انتقل للسكنى في قلب مدينة صفوى مع والده ووالدته في حي خارج وهو يعتبر حينئذ من الأماكن الجديدة التي ينزاح لها أهل صفوى لحداثتها، وكان زواجه في هذا السكن، ثم انتقل إلى مدينة الحجرية التي بنتها شركة ارامكوا لموظفيها وكان هو احد موظفيها، وما يميز بيته أنه مجاور مسجد الأمام الرضا .

اكمل دراسته المتوسطة ومنثم التحق بشركة ارامكوا السعودية عاملا بقسم الترفيه واغلب عمله في مكتبتها، وفي عام 1403ه سافر إلى سوريا وتزوج ومكث سنة وانتقل إلى ايران حيث درس في مدينة مشهد قرابة السنتان ومنثم عاود العمل بشركة ارامكوا ملتحقا بأحد التخصصات الدراسية والتدريبة «ITC» إلى أن تقاعد منها.

كما ذكرت لكم سابقا كانت البيئة التي عاش فيها هي ابرز من اعطته فن الالقاء والانشاد، وكان حبه وشغفه للإنشاد منذ صغره ملازما لأبيه الملا كريم في حسينية الشباب وحاليا حسينية الرسول الاعظم ﷺ، حيث كان يتذوق النعي والعزاء واللطم والإيقاع ومعرفة المقامات والأطوار حتى أخلص وأجتهد بكفاءة عالية، ولأنه يملك صوت قوي وحنجرة ذهبية فقد صقل موهبته بنفسه بعد بدايته مع معلمه الأول والأخير والدة رحمهما الله، ويشهد له كل منصف أنه كان له دورا بارزا وهاما في تطوير الإداء الإنشادي في المنطقة قل نظيره.

كان أول أنشاد له في عام 1400ه ويعتبر من الأوائل إذا لم يكن الأول من الذين أسسوا فرق الإنشاد في القطيف واسماها «فرقة الرسول الأعظم» وكانت تضم براعم لا يتجاوز اعمارهم العاشرة، وقد ادخل انغام البيانو على بعض القصائد الدينية وكان يجوب بها مختلف مناطق القطيف والاحساء لأحياء المناسبات.

تحديدا في الثمانينيات شرع بقراءة دعاء كميل والأدعية الأخرى وكان له واقع مميز وحافل لأملئ شبع الشباب المؤمن من ذاك الصوت الحزين الشجي، بعد هذا اتجه في التسعينيات للإنشاد التراثي في الاعراس والاحتفالات والمهرجانات والمناسبات الفلكلورية الشعبية ”ناصفه حلوه“ ”زواج سعيد وعمر مديد“ وكان هو أول من قام بعمل أوبريت في مهرجان صفوى للمهرجان الجماعي، وعمل الكثير من دخلات الزفاف للعرائس ”شيلات“ مبتدأ ببنته الكبرى أبرار.

حمل على عاتقه الموروث الشعبي وسهله بالكلمة العذبة ليتسنى للأطفال أخذ وفهم دروس النصح السهل الممتنع، هكذا كان رحمه الله يناشد كل جيل ويطرح القضايا التربوية التي تخدم المجتمع ككل، أذن في جميع مآذن مساجد بلده صفوى حيث يمتاز طوره بالأذان بتميز ملحوظ وفريد وفي غاية الجمال، وكانت امنية تراوده بأن يأذن في كل مآذن محافظة القطيف.

كرس حياته لإحياء جميع المناسبات «الموالد وليلة القدر والوافيات والادعية الاسبوعية» محافظًا على الصلاة وعاشقاً لها يقيمها في وقتها مواظبا على صلاة الجماعة، وعندما اوقفت المساجد بسبب جائحة كورونا راح يؤذن في كل فريضة بجهاز صوتي صغير ويصلي جماعة مع اخوته وابنائه، «لأنه سكن في بيت والده منذ سنة ونصف وذلك لترميم وبناء منزله الذي رحل عنه ولم يكمله».

لم يكن متزمتا ولا متعصبا بل على العكس من ذلك كان دائما بشوش الوجه يداعب افراد اسرته بنكات وضحكات ويقربهم له، يقول حسين سعيد وهو زوج ابنته: عمي بمثابة الصديق يعتمد علي في كثير من شؤنه الخاصة، كان يعشق لعبة البلياردو وبارع فيها وله مباريات كثيرة نال عدة جوائز وكؤوس من شركة ارامكوا.

أبا سراج من الشخصيات المحبوبة من الوهلة الأول حينما تلتقيه تحبه دون سابق إنذار مثل السحر الذي لا يعرف ابوابا حين يسبر في القلب، فلقائي به الأول كان في جامع الكوثر بصفوى حيث كنت مصطحبا بعض ابناء وذوي الشهداء لحادثة التفجير بالقديح الأليم وكنا خلف الكواليس نجلس نتابع الحفل التأبيني ومنثم صعد المسرح، رجل مؤمن ذو صوت رائع ينشد قصيدة ”ورد الربيع“ حقيقة استسلمت للدموع بعد سماع هذه الروح التي تصدح بكل صدق، انجز ودخل علينا غرفة الكونترول ”كواليس المسرح“ فصافحته ودعوت له بالثواب.

صورة وصوت ”عمار“ تكمن في تجسيد شخصية حسنة في علاقتها، أجل تلك العلاقات التي يكن لها كل من قابلة بالرقي والتقدير والاحترام، هو إنسانا متواضعا اجتماعا يحب فعل الخير ودائما يسعى إليه، عرف عنه الشهامة وصلة الرحم ودماثة الخلق ومتواصل في الأفراح والأحزان، لم يتردد يوما في تلبية من لجأ إليه دون مقابل، طلبت منه ذات يوم القاء قصيدة فرحب وشجع كثيرا، وللأسف الشديد بأن غيره من المنشدين إذا طلبت منه شيء ولو بسيط رد: كم تدفع!! بالعكس من ابا سراج كان لا يأخذ فلسا واحد وكان يرفض رفضا قطعيا قائلا: اجري على أهل البيت ، هكذا كان للقريب والبعيد يقضي حاجة الناس مبتسما وداعما وناصحا وموجها للجميع دون كللك ولا ملل.

تزوج فاطمة بنت حبيب آل قريش واعقب منها «سراج، أبرار، زهراء، حمد، جنى» وبناته الثلاث اصبحن منشدات في أكثر من حسينية، والأحفاد «ديما، زينب، علي»، عائلته اغلبها من الوسط الفني فإخوانه لهم الشهرة في الجانب الوطني والحس الموسيقي حيث شارك مع اخيه الفنان القدير حسين «1377ه» بأوبريت اليوم الوطني، وكذلك اخيه الفنان علي، هي اسرة ذواقة وذات فن عميق، كما شاركت معه ابنته الصغرى جنى منها «كريكشون، أنشودة بأمر الله» وانشودة «كركشي» شاركت معه ابنته جنى في الاداء وحفيدتيه ديما وزينب في تمثيلها ورافقه أيضًا في بعض أعماله فتيات وفتية من العائلة «رنا أحمد، يارا أحمد، سلمى فكري، صادق أحمد» بالإضافة إلى أحفاده وأطفال وشخصيات من منطقة القطيف، اشترك في مهرجان واحتنا فرحانة «يا ولدي ويا سندي» وفي مهرجان النخلة، وكما شارك بإنشاد النشيد الوطني «يا بلادي سارعي» وأخيرا لخدمة الوطن والمواطن كوفيد 19 ”باي باي كرونا“، كان الشيخ محمد المدلوح حفظة الله من أهم الملهمين في حياته حيث كان يقول: لا احد يفهم ما اريد إلقائه مثل الشيخ المدلوح.

قبل اصابته بالمرض طلب من ابنته ابرار كتابة خاطرة: «لو كان الامام الحسين امامك ماذا ستقول له في ظروف المنع والحجر في كرونا؟!» هذا السؤال طلبا من احدى الحسينيات في صفوى بمثابة عمل يشارك فيه بشهر محرم.

تعجبت: كيف تطلب مني الكتابة وأنت البارع في الكتابة؟ رد عليها بنظرة غريبة: لا استطيع الكتابة.

توجهت لأبنة عمه الكاتبة فاطمة سلمان قريش وطلبت منها أن تترجم مشاعر ابيها ففعلت!! قال: اعجبتني واثنى على بلاغتها وجمال تعبيرها، واردف: اريد اضافة!! ماذا تريد بالضبط؟! كان طلبه خدمة الحسين ، فهنا رحل بيوم الحسين. وقام بتسجيل الصوت وارساله ولم يسعفه الوقت بأن يخبر ابنته أبرار بذلك فتفاجأت يوم رحيله بانتشار الصوت والكلام وأثر فيها وفي جميع من سمع خاصة آخر جملة «أنا لست بحزين لأن الحسين لا يبخس شوق من اشتاق إليه».

وانتشرت الخاطرة باسم ”ابا سراج“ وهي الأصل لفاطمة، إلا أنها ابدت فرحتها ولم تكن مستاءة، بل ابدت مشاعر الفخر بأنها ترجمت ما يكن في روحه قبل رحيله.

رحل والابتسامة التي عودنا عليها مرسومة على ثغره، رحل وجميع محبيه يصرخون ببكاء وعويل، رحل حامدا شاكرا الله متحديا المرض، حتى الطاقم الطبي تأثروا لفقده لأنه كان يقابلهم بالابتسامة، فلا غرابة على امثال هؤلاء المؤمنين الذين بذلوا انفسهم لخدمة المجتمع بالغالي والنفيس، فقبل رحيلة ضجة وسائل التواصل الاجتماعي وها هي تضج بعد وداعه، فرحمك الله يا ابا سراج رحمة الأبرار وسكنك الله فسيح جناته.

وفي النهاية اود التنويه والشكر الجزيل لأفراد عائلة المرحوم واخص الشكر والتقدير ابن عمه أبا باقر قريش الذي امدني بتفاصيل مهمة.