آخر تحديث: 23 / 1 / 2021م - 11:14 م

الإمام العسكري، إمضاء الأمر في زمنٍ معاصر

ليلى الزاهر *

يمتلك الإمام الحسن العسكري شخصية تثقيفية تجلّت واضحة في أساليبه الحوارية والجدل الموضوعي الأنيق في اللفظ والمحتوى.

وكثيرا ماكان يردف الإمام العسكري مناقشاته العلمية وإطروحاته القيّمة بإصدار البيانات العلمية المنطقية التي توثّق أقواله.

يعجبني الإمام الحسن العسكري في قدرته المعرفية المُتكاتفة مع موقفه الناصح، والمُسدّد لأصحابه خاصة ولعامة الناس.

لقد اصطدم الإمام بفيلسوف العراق في زمانه يعقوب بن إسحاق الكندي حيث عمد الأخير إلى تأليف كتاب يدور حول المتناقضات في القرآن فاتصل به الإمام وأحبط محاولته التأليفية تلك وأقنع مدرسة الكندي بأنها على خطأ وجعل ابن إسحاق يتوب ويحرق أوراق كتابه.

ولاغرو فقد حرص الإمام العسكري على تثقيف قواعده الشعبية وحمايتها من العبث الفكري إذ له بيانات علمية كثيرة في تفسير القرآن الكريم وعلومه. كما أفنى جهوده في توعية خاصّته بكل أساليب الارتقاء إلى مستوى الطليعة المؤمنة.

من جهة أخرى أدرك الإمام حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه المتمثلة في التّمهيد لغيبة ولده الحجة عليهما السلام في وقت اعتاد فيه الإنسان على الإدراك المعرفيّ الحسيّ فقط والتجاوز به إلى تفكير أوسع أفقا، خاصة وأن غيبة الإمام حادث لامثيل له، ولا يمكن التصديق به في مجتمع امتلأ بالهبوط الفكريّ.

إنّ الإرهاصات المُسبقة، والمُتواليات المُتواترة عن الرسول الكريم والتي رواها مؤلفو الصّحاح كانت عونا للإمام لكي يقنع الناس بالإيمان بالغَيْبَة من ناحية، ويبرهن لهم تجسيد الغيبة في ولده المهدي من ناحية أخرى فهو يُعدُّ أمرًا صادمًا لإيمان الفرد بفكرته أو معتقده الذي جاء به.

فالفرق كبير جدًا بين منطق إيمان الفرد العادي بشيء مؤجل لايشعر بأثره في الحياة وبين الإيمان الغيبي بإمضاء أمر في زمن معاصر.

لذلك اعتمد الإمام في تخطيطه لهذا الأمر على شيئين:

_ إقامة حملة توعوية يشرح من خلالها فكرة الغَيْبة.

_ حجبُ الإمام عن أعين الناس وإظهاره لبعض خاصته.

مع إصدار بيانات عامة يشرح فيها صفات المهدي بعد ظهوره، وقيام دولته العالمية.

وهكذا صبّ الإمام جهوده لتهيئة ذهنيات الناس وتوعيتهم بشأن الإمام المنتظر كي يُستساغ دون استغراب.

نسأل الله أن يجعلنا في صفوف المنتظرين لأمر صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وألهمنا السير على منهج آبائه وأجداده.