آخر تحديث: 19 / 1 / 2021م - 11:51 م

طرد الوردي بسبب الكتب

يوسف أحمد الحسن *

يبدو أن المفكر وعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي «1913 - 1995» قد ولد بجينات القراءة.. فبعدما اضطر إلى ترك الكُتّاب لكي يساعد والده في عمله كعطار، ترك والده والتحق بالمدرسة ثم طلب منه والده أن يتركها لأنها لا تطعم خبزا، فقام بالعمل لدى عطار في السوق ولكن هذا الأخير طرده بسبب انشغاله عن الزبائن بقراءة الكتب والمجلات، فما كان منه إلا أن افتتح دكانا صغيرا لنفسه، لكنه عاد بعدها للدراسة مرة أخرى، فأنهى الابتدائية إلى الجامعة ثم ابتعث لإكمال الماجستير والدكتوراة. ولذلك فإن الوردي عندما تحدث عن مشوار حياته وأسباب نجاحه أرجعه إلى عوامل ثلاثة كان أحدها العطار الذي طرده من العمل بسبب انشغاله بالقراءة. وورد في كتاب «علي الوردي قراءة نقدية في آرائه المنهجية» أنه قال أنه استمر في العمل عند العطار «حتى أنعم الله عليه بالطرد منها لأنه كان يكره الزبائن بقدر حبه للمطالعة» وقال «كانت العاقبة أن طردني شر طردة، أحمد الله على هذه الطردة، فقد استطعت بعدها أن أتفرغ إلى كتبي الحبيبة إلى قلبي».

وأدى تفرغه هذا إلى إهداء المكتبة العربية مجموعة من الكتب في التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع تعد من أنفس الكتب في مجالها، ولا يمكن لكاتب في علم الاجتماع مثلا أن يتجاوزها إن أراد الكتابة حول هذا الموضوع. فقد ألف ثمانية كتب طبعت في حياته، وتسع كتب طبعت بعد وفاته، وعدد من الكتب التي تم إعدادها من بعض مرافقيه ومحبيه هي حصيلة مقابلات أو مقالات متفرقة كتبها في حياته، إضافة إلى عشرات الكتب والدراسات التي كتبت حوله.

وورد في كتاب ألفه عنه الدكتور محمد عيسى الخاقاني أنه تم استدعاؤه في زمن الرئيس عبدالسلام عارف بسبب معلومات «لم يكن يعرف عنها الوردي» أن أي سفير بريطاني أو أمريكي يعين في العراق يلزم بقراءة الترجمة الإنجليزية لكتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» حيث أجاب «لأنهم يعرفوني وأنتم لا تعرفوني، لأنهم يقرأون الفكر وأنتم لا تقرأون، لأنهم يحترمونني ويقرأون كتبي وأنتم تستدعونني للتحقيق».

وفي تعليقه على تعامل البعض مع الكتب وما يقرؤنه «إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها، ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة، فلا ننتظر منه أن يكون محايدًا في الحكم على الأمور».

وجاء في إهدائه لكتاب «مهزلة العقل البشري»: أهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون. أما أولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوه بأخيه «وعاظ السلاطين» من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين. لقد آن لهم أن يعلموا أن زمان الصراخ قد ولى، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق.