آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 8:04 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الربيع ومفاهيمه الملتبسة

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

ساهم الربيع العربي في صعود قوى إسلامية، ظلت تعمل طويلا في الظل، لصدارة المشهد السياسي، فهل يمكن لهذا الربيع أن يبشرنا بالدولة المدنية.. التي تقوم على التعاقدية والتعددية وهما النقيض المفترض لفكر الجماعة الدينية؟.

نحن أمام خلل منهجي، فلا الدولة الدينية في إيران أنتجت نظاما ديمقراطيا، ولا هي قادرة على ذلك. ولا الجماعة الدينية التي صعدت بعد الربيع العربي قادرة على الخروج من فكرها الأحادي لإنتاج نظام منفتح يحتكم لإرادة الأمة وخياراتها.

هذا لا يسلب حق الأطراف في المشاركة، ولا يلغي إيمانها بالديمقراطية، لكن هذا الإيمان لا ينتج بالضرورة قواعد وسلوك العمل الديمقراطي، فطالما كان النظام الديمقراطي في مثل هذه البلدان، ولدى هذه الجماعات صالحا للعمل كـ «سلم» للوصول للسلطة، لكن بمجرد الارتقاء على عرشها يجري سحبه للأعلى. بمعنى أنه صالح للعمل مرة واحدة لا أكثر. وفي أحسن الظروف يجري «تشفير» الطريق نحو السلطة بحيث لا يلج إليه إلا قلة محسوبة الانتماء ومضمونة الولاء.

ولذلك، يمكن أن نرى حجم التشويه الحاصل اليوم، فلا ديمقراطية حقيقية أنتجها التيار الديني، لا في إيران ولا في العراق ولا في تونس أو مصر. ولا دولة مدنية تحمل مشروع التنمية والتقدم. هذا التشويه ينتج ثقافة تصطدم أول ما تصطدم بالدين نفسه الذي تحمله إخفاقات هذه التجربة وفشلها، وهذا أخطر ما تقوم به الجماعات الدينية.

كما أضحى مفهوم الدولة المدنية، مفهوما ملتبسا، بل ربما عدنا للمربع الأول، الذي تستفحل فيه ثقافة مريضة تعتبر الدولة الوطنية نقيضا للدين نفسه، وتؤسس رؤيتها على مفهوم الجماعة العابرة للحدود الوطنية. ويجري التضحية بالشراكة الوطنية هنا أوهناك، أو تعريض السلامة الوطنية للخطر، من أجل أهداف لا تمت إليه بصلة.

كذلك الحال بالنسبة لمفهوم المجتمع المدني، الذي تشظى إلى تيارات أيديولوجية متصارعة، وصار الصوت الديني يتوسل بكل العصبيات والفئويات لإحراز تقدم في السباق نحو الجماهيرية، وتلقائيا فإن هذا الصوت يقوم على تقسيم المجتمع والدولة ولا يعمل على توحيدها.

والتجربة ما زالت في بداياتها، لكن إذا كانت البداية بهذا البؤس، فختام القصيدة بالمطلع. «كما يقول الجواهري». لا شيء يدعو للتفاؤل، سوى أن عقدة الخوف انفكت، والزمن يسير بوتيرة لا تعرف الجمود. ومن الصعب على هذه الجماعات التي ورثت نظاما حديديا لم يمارس العمل الديمقراطي طيلة تاريخه.

وتأسست على عبادة الفرد، أن تشعر بالأمان طويلا من عواصف التغيير. حتى لو عملت كل ما بوسعها لاستنهاض العصبيات الفئوية والطائفية التي تحفظ لها ديمومة مؤقتة، وحتى لو خاضت الحروب العبثية التي تشغل الناس عن إخفاقاتها، فإنها في النهاية ستواجه الامتحان الرهيب، وهو الإنجاز الذي يلبي للناس جوعهم للكرامة والتنمية والتقدم.

نعم أصحاب هذا المشروع أذكياء، فكلما أخفقوا، صعدوا من شعاراتهم، ورفعوا منسوب العصبية في المجتمع، لأن العصبيات تعمي الأعين عن رؤية الواقع، فهناك شغف بمحاربة طواحين الهواء والاشتغال في ملاحقة خصوم مفترضين، وهي مجدية قليلا ولوقت ما، في إلهاء الناس عن الواقع، لكنها سرعان ما تتهاوى وتنكشف أمام الحقيقة..

والحقيقة هي حاجة الناس لنموذج يحفظ السلم الأهلي ويعمل على تنمية المجتمع، ويحقق شراكة حقيقية، ويقضي على الفساد المستشري في المجتمع والدولة، ويشعرهم بالأمان والاطمئنان للمستقبل، ويوفر العمل ويطور الاقتصاد ويقضي على الفقر ويقلص الأمية، ويحدث نهضة حقيقية تستجيب لمطامعهم.. سوى ذلك فإن كل الشعارات لن تنفع، وكل الخطب وهز الأيدي والصراخ في الفضائيات لن تجدي نفعا.