آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

تصارع الأجنحة.. تحت شعارات جوفاء!

أحمد علي الشمر *

تصاعد الوضع المحزن والمقلق والخطيرللعنف الذى تشهده الساحة العربية والإسلامية، أعتقد بأنه وصل إلى مرحلة حرجة وخطيرة فاقت كل التوقعات والإحتمالات، ولاتبدوهناك بواذرأمل لوقف هذا النزيف المروع والمخيف، والذى يخشى بامتداد شرارته إلى دول ومناطق أخرى لاسمح الله، إن لم يتم تدارك أمره والسيطرة على إنتشارلهيبه، وقد بات الآن من الخطورة والضرورة أن تبذل المساعي الحثيثة بسرعة للعمل على وضع نقطة نظام من قبل العقلاء والحكماء وجميع الأطراف والهيئات والمنظمات صاحبة النفوذ والقراروذات العلاقة لوقف هذا الإقتتال، وأظن أن أهم هذه المنظمات على مستوى العالم الإسلامي هي منظمة التعاون الإسلامي التى يجب تفعيل دورها فى هذه المرحلة الحرجة، وبأعتبارها منظمة إسلامية تحتضن بين جنباتها جميع الأطراف ومن كافة الأطياف الإسلامية، وهي لاشك لازالت تمتلك الرصيد العقائدي والإيماني والفكري الذى يؤهلها لاتخاذ قرارتاريخي ملزم ونافذ لوقف النزيف المستمرفى بلدان أعضائها، وذلك لكبح جماح هذا المنزلق والتهورالخطيرفى تصعيد حدة العنف الطائفي والسياسي المتزايد من قبل جميع الأطراف ذات العلاقة، والذى تسبب ويتسبب حتى الآن بإزهاق أرواح المئات والآلاف من الأبرياء والضحايا وشل وإصابة الآخرين منهم بإصابات مميتة وقاتلة أومقعدة، هؤلاء الأبرياء الذين جلهم من المدنيين المسالمين الذين ليس لهم «ناقة ولاجمل» فى إشعال أتون هذه المعارك والحروب، بجانب تدميروتخريب دورالعبادة وخدمات المؤسسات والمرافق العامة والممتلكات الخاصة وتشريد الالآف من منازلهم وديارهم فى معظم الدول التى طالتها هذه الأحداث فى سوريا والعراق ولبنان ومصروتونس وليبيا واليمن والبحرين والصومال وأفغانستان وباكستان والعديد من المناطق الساخنة التى تعيش أحداث هذه المأساة الدامية..!!

اللافت فى تصعيد هذا العنف الصادم وغيرالمبرر، هوتصارع أجنحة كل منها يتبنى حمل شعارات ثبت زيف أهدافها، إذ لم يلمس أويتحقق للمواطن شيئا من تلك الشعارات حتى اللحظة على أرض الواقع، غيرهذا الجحيم الذى يؤدي بهلاك وقتل الأبرياء من جميع الأطراف المتقاتلة.

وقد بلغ إلإحباط بالمواطن العربي والمسلم، وهذا قد لايكون من المبالغة، بأنه أصبح لايثق بمثل هذه الشعارات التى تحولت فى نظره إلى شعارات جوفاء وبلهاء لاتسمن ولا تغني من جوع، وخصوصا بعد أن تداعت الأحداث المتصاعدة إلى منعطفات خطيرة أودت بحياة عشرات الالآف من الضحاياء والأبرياء، وتدمير الممتلكات والمنشآت اللوجستية والبنى التحتية التى يحتاج إعمارها إلى عشرات السنين، فضلا عن صرف مئات المليارات فى ظل شبح الإنهيارالإقتصادي الذى تلوح بواذره المخيفة أمام إستمراروتصاعد هذا العنف الدموي المدمر.

ومن القضايا المثارة فى إشكالية الإنقسام الذى يحدث اليوم فى الشارع العربي حول قضية «ثورات الربيع العربي» وعلاقتها بإشتعال هذه الأحداث الدامية، وخاصة فيما يتعلق بالجانب العربي، كان مردها كما يبررالبعض إلى هذه الثورات، ولكننا يجب أن لاننسى بأن هذه الثورات.

كانت قد إنطلقت شرارتها فى الأساس تحت عناوين وأهداف سامية لاسترداد الحقوق وتحقيق مبدأ العدالة والمساواة، والوصول إلى أهداف الحياة الديمقراطية والمشاركة الشعبية فى العملية السياسية والإستفادة من الثروات لجميع فئات المواطنين، ولأجل ذلك كان المواطن العربي فى كل مكان من المحيط للخليج كان معنيا بهذه الثورات وكان مؤيدا وداعما للحصول على هذ الحقوق.

ومن أجل ذلك أيضا كانت الجماهيرالعربية قد هبت فى كل مكان من أجزاء وطننا العربي الكبير، لدعم ومناصرة ومساندة هذه الثورات عند إنطلاقتها السلمية، وهذا لاشك تأكيدا لأحقية الشعوب فى حصولها على حقوقها المشروعة، والمطالبة بها عبرالوسائل السلمية والتى تؤكدها جميع التشريعات السماوية وفى مقدمتها تشريعات الإسلام، بالإضافة إلى ما بينته وأقرته وشرعته فى هذا الجانب أنظمة وقوانين ولوائح منظمات حقوق الإنسان وجميع الهيئات والمنظمات الدولية، فى أحقية حصول الإنسان على حقوقه المشروعة والسعي نحوالمطالبة بها ودعوة الحكومات لمنح هذه الحقوق لمواطنيها، فهذه الحقوق هي حق مشروع لجميع شركاء الوطن وفى كل المجتمعات، وهي ليست هبة أومنة من هذه الحكومات، بل هي من بنود وأولويات التشريعات التى ينبغى على الجميع وعلى الحكومات تحديدا، العمل وبذل الجهود الحثيثة لتحقيق منحها للجميع عبروسائل وقنوات مريحة، بحيث تتيح للمواطن حصوله على إستحقاقاته وحفظ كرامته، دون تمييزأودون لجوئه إلى إستخدام وسائل العنف والتخريب.

ولاشك أن من شأن ذلك إذا ما تم تطبيق ووضع هذه التشريعات موضع التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع، أن تتحقق للجميع قواعد السلم والعدل والمساواة، وأن ينتشرالرخاء وتعم السعادة كل المجتمعات البشرية.

تلك كانت الصورة الأقرب المرسومة فى أذهان الجماهيرالعربية عن طبيعة وأسباب ومبررات ثورات الربيع العربي، ولكن مايحدث الآن من تحولات فى مسارخط هذه الأحداث قد حرف عن مساره وتحولت هذه الثورات إلى حروب طائفية ترتكب فيها مجازربشرية مروعة، رفعت فيها لافتات وعناوين متباينة وبمسميات وشعارات وتنظيمات إسلامية مشوهة، يتم فيها إرتكاب أعمال وإنتهاكات إجرامية صارخة من تفجيرات وتفخيخات، واستخدام كافة أنواع ووسائل الأسلحة التذميرية للإنسان والحجر.. فهل ذلك له علاقة بسياق هذه الثورات..؟!

. تجري هذه الأحداث الجسام فى ساحتنا العربية والإسلامية وأنشغالها فى أتون هذه الحروب والمعارك الشعواء، لبينما العالم بمؤسساته وهيئاته ومنظماته الدولية يتفرج ويتشمت، بل والبعض الآخرمنه ممن يشارك فى تغذية ودعم هذه الصراعات، التى يرى أنها بالنسبة إليه هي هدف إستراتيجي وإيجابي، يمكن أن يشغل ويمنع أطرافها عن التفرغ للبرامج والخطط التنموية، وتعطيل وشل القدرات نحوتحقيق طموحات وتطلعات المواطنين فى قضايا الحرية والإستقلال والنهضة العلمية واستعادة الأراضي العربية المحتلة، وبالتالى تستمرتدفقات موازنات هذه الدول ومخزوناتها المالية بمليارات الدولارات ودفعها المستمر، لإدارة عجلة المصانع الغربية التى تدفع بدورها بمنتجاتها إلى ذات هذه الدول البائسة، ورغم كل هذه التداعيات الجلية الواضحة مازال العرب والمسلمين بكل سلطاتهم وهيئاتهم ومنظماتهم لايتعضون ولايعتبرون..!

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»