آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

مناظرة حول مفهوم الحضارة بين «مالك بن نبي» و«سيد قطب»

سمية غريب *

«مواقف وآراء»:

كتب عن المفكر ”مالك بن نبي“ و”سيد قطب“ العديد من الكتّاب والمفكرين من مشرق العالم العربي ومغربه، ويعتبر المفكر السعودي ”زكي الميلاد“ «رئيس تحرير مجلة الكلمة، وهو صاحب نظرية تعارف الحضارات» من المفكرين البارزين الذين اهتموا بفكرة الحضارة. وقد ذكر في مجلة الكلمة في مقالة بعنوان: فكرة الحضارة بين ”مالك بن نبي“ و”سيد قطب“ مناظرة بين المفكريّن وأشار إلى ثلاثة مواقف ظهرت من أشخاص ينتمون إلى ثلاث بيئات عربية، وبحسب تعاقبها الزمني هي:

الموقف الأول: أشار إليه الباحث العراقي الدكتور ”علي حسن القريشي“ في رسالته للماجستير حول ”ابن نبي“، الموسومة ب «الأسس التربوية للتغير الاجتماعي عند ”مالك بن نبي“»، ناقشها في كلية التربية جامعة عين شمس سنة 1983 م، وصدرت في كتاب سنة 1989 م بعنوان «التغيير الاجتماعي عند ”مالك بن نبي“».

في هذا الموقف استند الدكتور ”القريشي“ إلى أمرين، الأول يتّصل بالجانب النظري، والثاني يتّصل بالجانب التطبيقي، الجانب النظري يتعلّق بالتفريق بين فكرتي المدنيّة والحضارة، معتبرًا أن ”ابن نبي“ كان ناظرًا إلى فكرة المدنية، بينما ”قطب“ كان ناظرًا إلى فكرة الحضارة، والجانب التطبيقي يتعلّق بالتفريق بين المجتمع الإسلامي الماثل والمجتمع الإسلامي المثال، معتبرًا أن ”ابن نبي“ كان ناظرًا إلى المجتمع الإسلامي الماثل، في حين أن ”قطب“ كان ناظرًا إلى المجتمع الإسلامي المثال.

من هنا فليس صائبًا - في نظر الدكتور ”القريشي“ - اعتبار أن تخلي ”قطب“ عن كلمة متحضر يعني تحريفًا للمشكلة، كما تصوّر ”ابن نبي“، وذلك لسببين شرحهما ”القريشي“ على هذا النحو:

الأول: يرى الدكتور ”القريشي“ أن قطب لم يكن يقصد بكلمة متحضر ذلك المعنى

الذي يقصده ”ابن نبي“، فمفهوم الحضارة عند ”قطب“ هو مجموعة القيم والعلاقات والنظم، والحضارة بهذا المعنى لا ترادف المدنية التي هي مجموعة المنتجات المادية والوسيلية المتطوّرة.

ولا تصلح المدنيّة في نظر ”القريشي“ لأن تكون مقياسًا مركزيًّا للاستدلال على تحضر المجتمع، ولا مؤشرًا على رقي المجتمع أو تخلّفه، فالمجتمع المتحضر - في تصوّر ”القريشي“ - يستدلّ عليه في المقام الأول بمنطلقاته العَقَدِيَّة والقيميّة، وبسلوكياته وعلاقاته ونظمه الاجتماعية التي يتبعها، لا بتطوّره المادي ونمط وسائله وأدواته المعيشية.

لهذا فإن الحضارة في مفهوم ”قطب“ ليست هي المدنية، بل هي نسق عقائد وقيم ونظم وعلاقات تحدّد منهج الإنسان وحركته في الحياة، وأما الحضارة النموذجية - في نظر ”قطب“ - فهي حضارة التوحيد التي يجسّدها النظام الإسلامي، النظام الذي يوفر للإنسان إنسانيته، ويحترم خصائصه الأساسية، وتتحقّق في ظلّه معاني وتجسّدات العبودية ”لله“ وحده، كما يتحقّق فيه التوازن الشامل في الحياة الفردية والاجتماعية.

الثاني: يرى الدكتور ”القريشي“ أن ”ابن نبي“ تصوّر أن قطب كان يبحث في المجتمع المسلم الراهن، الذي هو يعاني فعلا من أزمة غياب التحضر والتمدّن معًا، في حين أن ”قطب“ كان يبحث في المجتمع الإسلامي الأنموذج أو المثال.

وما دام الأنموذج الإسلامي في منطلقاته وأهدافه ونظمه وعلاقاته وحركته، يقوم - في تصوّر الدكتور ”القريشي“ - على العقيدة التوحيدية، والقيم الربانية، ونظرية النظم المستمدة من المنهج والشريعة الإسلاميين، فإن إسقاط كلمة متحضر يعني له إسقاط لصفة لا يحتاج إليها الموصوف، لأن المجتمع الإسلامي المثال وليس الماثل، هو مجتمع متحضر بالضرورة.

وبناء على ذلك يرى الدكتور ”القريشي“ أنه لا يمكن اعتبار إسقاط ”قطب“ لكلمة متحضر هو محاولة إخلاص دفاعية تعكس - كما ظن ”ابن نبي“ - حالة من المدح الذي لا يواجه شروط المجتمع المادية والمدنية، لأن الشروط المادية غير واردة أساسًا في معنى الكلمة التي نحاها ”قطب“.

ويضيف القريشي حتى في حالة افتراض أن التمدّن يعني التحضر، وأن التمدّن يصلح مقياسًا حاسم للتقدّم الاجتماعي، فقطب - كما تقدّم - لم يكن يتحدّث عن واقع التمدّن في المجتمع الإسلامي الراهن، بل كان يتحدّث عن التحضر في المجتمع الإسلامي الأنموذجي.

الموقف الثاني: أشار إليه الباحث المصري الدكتور ”سليمان الخطيب“ في مكانين، مرة في رسالته للدكتوراه التي ناقشها في كلية البنات جامعة عين شمس سنة 1988 م، بعنوان «فلسفة الحضارة عند ”مالك بن نبي“.. دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر»، وصدر في كتاب بالعنوان نفسه سنة 1993 م، والمرة الثانية في مقالة بعنوان «المسألة الحضارية بين ”مالك بن نبي“ و”سيّد قطب“»، نشرت في مجلة رؤى سنة 2003 م. في هذين المكانين لم يتغير الموقف حتى من جهة البيان، لكن الذي اختلف أن في المقالة وضع الدكتور ”الخطيب“ تمهيدًا مطولا جاء في سياق البحث عمَّا أطلق عليه المسألة الحضارية عند الرجلين، أما التغير المهم الذي وجدته، فقد ظهر في المقالة حين وصف الخلاف بين الرجلين بالخلاف المنهجي، الوصف الذي لم يرد ذكره في الكتاب. يرى ”الخطيب“ أن هناك فرقًا في وجهة النظر بين المفكرين، لكنه فرق بين وجهتي نظر متكاملتين، وليستا متناقضتين، وحسب رأيه أن قطب «يركّز في منهجه الفكري على الجوانب الذاتية في معالجته لمشكلة الحضارة، حيث يعتبر أن الشروط التي صنعت الجيل القرآني الفريد، وحاكمية المجتمع ”لله“ وحده في كل الأمور، ذلك هو المنطلق، ولكنه في نفس الوقت لم يغفل الشروط الموضوعية اللازمة لبناء الأمة أو الحضارة الإسلامية. و”مالك بن نبي“ يركز في منهجه الفكري على الجوانب الموضوعية في معالجته لمشكلة الحضارة، وذلك بحكم تكوينه الثقافي والمنهجي، هذا مع تأكيده على الدفعة القرآنية الحية، ودور الفكرة الدينية في المسار الحضاري».

الموقف الثالث: أشار إليه الباحث الجزائري الدكتور ”محمد العبدة“ في مكانين، مرة في مقالة له نشرت سنة 1988 م بعنوان «قراءة في فكر ”مالك بن نبي“»، ومرة في كتاب صدر له سنة 2006 م بعنوان «”مالك بن نبي“.. مفكر اجتماعي ورائد إصلاحي».

في المقالة رأى الدكتور ”العبدة“ أن القضية هي قضية مصطلحات، فابن نبي كان يتكلَّم عن المجتمع الإسلامي الموجود، وأنه يحتاج إلى رفعه لمستوى الحضارة حتى يستأنف دوره، وهو لا يعني هنا الحضارة الغربية، وإنما الحضارة حسب تعريفه، و”قطب“ كان يتكلَّم عن المجتمع الإسلامي المنشود، وأنه إذا وُجِدَ فَثَمَّ الحضارة، والإسلام هو الوحيد الذي ينتج حضارة متكاملة.

أما في الكتاب، فقد اختلف المدخل، وتحدّد بالخلاف حول إنسانية الحضارة، ورأى فيه الدكتور ”العبدة“ أن الحق مع ”قطب“، وحسب رأيه: «إذا كان ”سيد قطب“ يريد أن يقول: إن المجتمع الإسلامي حين يتمثَّل الإسلام على حقيقته، هو الذي يحقّق إنسانية الإنسان في أكمل صورها وأفضل تجلّياتها، فهذا صحيح؛ لأن الذي يحكم قوانين هذا المجتمع هي الشريعة التي أنزلها ”الله“ الذي لا يحابي أحدًا، وإنما هي لمصلحة الإنسان، وأمر آخر هو أن الشرك المضاد للإسلام يمزّق شخصية الإنسان، فمن هذا الجانب نرى أن الحق مع ”سيّد قطب“، ولكن ”سيّد“ في كتاباته لا يدخل في التفاصيل التي تمهد للمجتمع المسلم، كي يكون هو المجتمع المتحضر، كما يؤصّلها أو يؤصّل بعضها ويضع كل ذلك ضمن منهج كما فعل ”مالك بن نبي“. ”سيّد قطب“ يرى استيراد النظريات العلمية والتقنية من الغرب مجردة، و”مالك“ يرى أن هذه التقنية أحاطت بها ثقافة وعلم نفس وعلم اجتماع، فلا بد أن نُوجد الثقافة الخاصة بنا التي تحيط بهذا العلم».

هذه بعض المواقف المهمة، ولعل هناك مواقف أخرى، والأقرب أنها تتصل بالوجهة العامة لهذه المواقف، وتلتقي معها من جهة النسق الفكري العام، كما التقت هذه المواقف الثلاثة المذكورة، وتناغمت في نسقها الفكري العام.

باحثة من الجزائر - ماستر فلسفة الحضارة من جامعة الأغواط