آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 4:44 م

المعلّمُ تجاربٌ قاسية ورُتبٌ عالية

ليلى الزاهر *

للمعلم حكاية جميلة ذات مَتْن قويّ لايرويها إلا من سلِمتْ حروفه من خوارم المروءة.

تبدأ قصّته من صرف راتبه مرورا بمخرجاته التعلمية والتربوية وتنتهي بركلهِ بعد مناقشة مستحقاته ورُتَبه الهاوية.

ولكننا دائما نقول أن المعلم القوي لا يهزمه قولٌ غير منصفٍ له طعم القهوة الباردة في شتاء بارد تُعكّر صفو صاحبها.

أما حكاية المعلم الحقيقية تبدأ من خطواته الأولى لدخوله مقرّ عمله وسأرويها بلسان المعلمة الكاتبة.

حيث الساحة المدرسية المكتظة بالطالبات تبدأ خطواتي بين طالباتي الحبيبات اللاتي يتسابقن في حمل أمتعتي الشخصية _ التي أثقلت كاهلي _ تقديرا لمعلمتهن وجمالًا أظهره غراس تربيتهن.

ثمّ تتناثر الصور الجميلة في عالم المعلم نبدأها بصورة الطابور المدرسي وفوضته الجميلة وخاصة عندما تكون في مدرسة ابتدائية وتحاول المعلمة أن تقنع طفلة صغيرة بالوقوف في مكانها وقد انتابتها موجة قاهرة من البكاء والواجب يفرض على معلمتها أن تمتّصّ نوبة الذعر من قلبها وتعمل كمحلل نفسي اجتماعي يبحث عن السبب محاولا إيجاد الحلول المناسبة.

ثم يأتي وقت الإذاعة المدرسية ، وبقدر ماهو مملل عند بعض الطالبات إلّا أنه منفذ مهم عند بعضهن إذا اعتبرناه سلما للوصول للشجاعة الأدبية عند الطالبة وسلاحا لرمي أردية الخجل وبعث الثقة بالذات من مناجمها.

وما أجمل الحصة الأولى ومغامراتها ، كم هي جميلة تلك الطالبة التي تغالب نوبة النُّعاس لتظل متقذة ذهنيا مع معلمتها ، وبعد دقائق زمنية تسمع طرق باب الفصل هي ذاتها الطالبة التي تتأخر كل يوم وتحمل العذر ذاته ، تفضلي ابنتي ، خذي مكانك بين زميلاتك.

قد لايعيش المعلم طويلا كما شهد بذلك الشاعر إبراهيم طوقان وسوف أشدّ على يديه وكيف لذلك المسكين أن يمضي يوم واحد دون أن يتلقّى رسالة بتعديل مستواه الوظيفي وهو على وجل وقلق ، ثم يواجه التهديدات المبطنة بالقياس أو المهارات التي لاتنتهي. إنهم يفكرون في عودته مجددا لمقاعد الدراسة علّه بحاجة لتحديث معلوماته التي فقدها جرّاء إضافة المهام الإدراية ضمن جدولة مهامه التعليمية.

قد يعانقه السهر أثناء نومه أو يلزمه القلق فهذا رزقه ورزق أبنائه، أو قد يفكر بوظيفة أخرى أودخلا جديدا يساند دخل المعلم مستقبلا، أو ربما يكتفي بسنين خدمته ويلجأ للتقاعد المبكر ويسير في ركب رجال الأعمال عندها سوف تنتهي أزمة التحضير المتغير والتقنيات المزعومة التي حتى وأن عمل بها سيظل مُقصّرا ومحتاجًا لتنمية المهارة الفلانية ليواكب التطور الفعلي

أما عني كمعلمة فقد تكدّس مكتبي بالملفات ذات الأشكال والأحجام المتعددة التي يلزمني وقتا طويلا لحصرها.

المعلم هو الموظف الحكومي الذي يتداول الناس أخباره ولا يعرفون ماله وماعليه.

عفوا: يعرفون سلم درجاته وراتبه الشهري بضغطة بسيطة ويتجاهلون مايقوم به ، وينسبون التقصير والراحة والدعة له بلا جزاء ولاشكورا .

في زمننا هذا أصبح سكوت المعلم علامة لفقد «كرامة محارب».

كل فصول السنة تُشاطر المعلم عمله أنه يبذر ويزرع ويحصد ويجني ثمار غرسه ورتبه العالية عند الله تعالى ثمنا لإخلاصه.

ينفي المعلم المخلص مسمى الطالب الكسول من جميع قواميسه بليحاول أن يبعث رسائل الأمل لذلك العصفور الصغير ليصبح يوما مانسرًا محلقا في الأجواء.

ولايتحمل معلم مخلص مُحبّ لطلابه وزرَ معلمٍ يربي الإخفاق نهجا ، ويشجع على الإهمال ؛ وذلك لأن إخفاق الطالب بالنسبة للمعلم القدير هو لحظة اغتياله.

وعندما يفقد المعلم حبّ طلابه يصبح رصيده صفرا وخبرته تتطاير مثل الدخان.

‏قال أمير المؤمنين عليه السلام:

‏قليل الحق يدفع كثير الباطل كما أن القليل من النار يحرق كثير الحطب.

فنصرة المعلم أولى من الإجحاف بحقّه ، ومن الصعب أن تُساوم المعلم بوظيفة حكومية لأنه المربي الفاضل والمكسب والمغنم للتربية والتعليم.

وكم من المعلمين والمعلمات كانت لهم الأيادي الناصعة في حياة الناشئة وظلّت الروابط الجميلة تربطهم بطلابهم كأبناء يفرحون لنجاحهم ويشاركونهم مسرّاتهم حتى بعد حين من الزمن.

نفترق في دروب الحياة ونجتمع مع طالباتنا و لاشيء أجمل في حياتي كمعلمة من مقابلتي لابنتي الطبيبة لأحاول معرفة أسباب ذلك الاهتمام والتقدير غير أنني كنتُ يوما المُشجّع والمحفّز لها بحبّ فهنيئا لي.

ولا أحد يضاهي ربح المعلم فقد ربح نفسه وربح من حوله ، والصفقة الأعظم ربحا إخراجه جيلا كاملا ، كلما صادف أحدا من أبنائه رفع له قبعته وألقى عليه التحية كقائد عظيم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
أبو علي
[ صفوى ]: 9 / 7 / 2020م - 12:27 ص
مع شديد الأسف وصل الأمر بالبشر أنهم يحسدون من رباهم وعلمهم . المعلم هو الوحيد الذي يذكر كل يوم على وسائل التواصل والأخبار وعُرف راتبه وكل شي يخصه .
2
ميمي
[ العوامية ]: 9 / 7 / 2020م - 3:57 م
المعلم اكثر شخص مرتاح في وظيفتة واجازات وشغله يخلصه بدوام ماعنده شغل.خارج الدوام وبتصيحي على التنقيص شمل جميع المواطنين ابمعلمين وغيرهم حتى مستفيدين الضمان الاجتماعي اقل الفئات دخلا بس
3
ر ع
[ القطيف / القديح ]: 9 / 7 / 2020م - 5:15 م
تعليق #2

كلن يغني على ليلاه

الله يوفق الجميع وكل واحد يجتهد مثل ما اجتهد المدرسين ويطور مجاله الوظيفي

هم في مكان يعرفوا يوصلوا صوتهم
فلنجتهد في ايصال صوتنا حنا بعد

اذا في نقد ننتقد واذا مافيه فلنسعى ونصير مثلهم (مرتاحين) على حد وصفك


الله يريحهم أكثر ويريح الجميع في وظايفهم ويستقر كل انسان ان شاء الله مادياً ونفسياً

ولكل مجتهد نصيب
4
علياء رضي
[ KSA ]: 14 / 7 / 2020م - 1:19 م
والله ما فهمت مغزى هذا الموضوع لكن المعلم تخرج من الجامعة لتوظف بمهنة معلم لانها مصدر رزق وكل ما يقوم به هو واجب وليس تفضل ما شفتوا الدول المتقدمة حتى في إجازاتهم يشيلوا هم طلابهم ويقدموا لهم الخدمات التعليمية بكل الأساليب اما عن ان المعلم محسود فهذا صحيح لكن هالحساد ما يعرفوا ان موظف قطاع خاص او حتى عمل حر عايش حياته احسن من بعض المعلمين يلبس ويسافر ومستمتع بحياته بينما بعض المعلمين راتبهم طاير على التزامات عائلية ويوصلوا سن التقاعد وهم ما عاشوا دنيا
العبرة في حياة الشخص مو في مسماه الوظيفي