آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:34 م

النهاية قريبة

سوزان آل حمود *

قد تشعر بالملل وأنت تسمعه دائم التحدث بصيغة ”الأنا المتضخّمة“، عن نفسه وعن عبقريته وذكائه وقدراته الفائقة وعلمه، مستخدماً أسلوب المقارنة بينه وبين غيره من الناس، كي يثبت أنه الأفضل منهم قدراً، محقّراً من شأنهم بكافة الطرق، دون أن يعطي لنفسه مساحة من الصمت والراحة، وإذا تكلم أحدهم، فإنه يقاطعه ويعترض على أقواله..ملوحاً بانجازاته التي هي في الاصل انجازات وجهد الاخرين!

هذا الشخص يتعالى جراء شعوره بعدم اهتمام الناس به، أو ملاحظتهم لوجوده، فعندما يفشل في الوصول إلى ذلك الشعور بطريقة طبيعية فإنه ينقلب إلى شخص مغرور تعويضاً للنقص الذي انتابه..وينشر بلاءه في كل مكان يحط به.... ولا نخلي انفسنا من المسؤولية فسكوتنا عنه واستجابتنا لتنفيذ كل مايطلب شجعه على التوغل فيما هو فيه وهذا سيزيد من شراسته وطغيانه.

فيومًا ما سنكونُ نحنُ المسؤولين، لن نجدَ آخرين نعتمد عليهم، نلقي عليهم أثقالنَا، لننجدَ آخرين نعوّل عليهم ما يحدثُ لنا إثر تقصيرهم، يومًا ”سنكونُ نحن الكُبار“ الكبارُ الذين يخافون ولا يمتلكون رفاهيّة الاختبَاء.

الخَيباتُ لا تُنسَىٰ، تظلّ نُدبها عالقةً في أرواحنا، بارزةً في طرقنا، تعثّرنا كلما أردنا الهرولة، وتوقفنا وقتما أردنَا السّعي، وتضحكُ منّا إن انتوينَا التجَاوز.

والخيبةُ يا صَاحِبي مُصطلحٌ كبير، وصعب، لا يطلقُ على كلّ كسرةٍ أو هدّة، بل على الخِذلان من نوعٍ خاصّ!

يطلقُ على صدمتِكَ الكبرىٰ، واتساعِ حدقتي عينيكَ، وفغر فيهك، يطلقُ على ملامح وجه كالتي تتبدّل فورَ تلقّي ما لم تتوقّعه يومًا، وعلى تتابعِ خفقات قلبِك، وعلى اضطرابها، يطلقُ على أعصابك التي تتوقّف كليًّا، فتشعرُ بجوارحكَ متفرقةً لا صلةَ بينها وبينَ بعضها، يُطلقُ عليكَ كلّك عندما تصيرُ رفاتًا متحرّكًا، لا تعي ما يُقال، ولا تعي ما تقولُ، كلّما يفهمه ذهنكَ حوارٌ وحيد توقّفت عندهُ وظائفكَ الإدراكيّة كلّها، فأصبتَ بالجنونِ الخفيّ، والجمود الظاهريّ، والغليانِ القلبيّ، والموتُ المؤقّتُ مجملًا.

الحُزنُ الوحيد الذي قد يمتزجُ بصدقِ حزننا هو شفقةٌ ممّا ستلاقونه، لن ترحمكم الأيّامُ، ولن يشفقَ عليكم القدَر ربع شفقتنَا، ولن تصالحكم الدّنيا، فليس للظالمين موطِئَ قدمٍ إلا ومتزلزلًا تحتهم لا محالَة.

غيرَ أنّ الآلامَ تتخفّف بصدقِ منبعها، يخالطُ شدّتها تصبُّر، وضربتهَا بعضٌ من راحة، بأنّا عاجزون عن الانتقام، فاللهُ المنتقِم، وهذا كلّ ما في الأمر.

ختامًا

لا تهدر طاقتك في الغضب والضيق والحزن، وإنما الأفضل أن تسامح، اترك امره لله تعالى وبدلا من ان تدعو عليه بالانتقام أو المرض أو الموت ادعو له بالهداية.

يقولُ اللهُ تعالى:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ النَّحل «16/61».

ويقول ايضًا ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ العنكبوت «29/40».