آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

موسوعة المتنمرين في ذاكرة أحدهم

ليلى الزاهر *

شاع لفظ «التّنمّر» كثيرا في الأوساط الاجتماعية ؛ وظهر بقوة بين مفردات الكتّاب في الفترة الأخيرة.

لقد فاض البحث عنه وربما من كتب فيه تعرض له بشكل أو بآخر ؛ إذ لايخلو الأمر من وجود مُتنمّر خفيّ أو ظاهر في حياتنا .

وخلاصة البحث اللغويّ للفظ «تنمّر» هي كالآتي:

جذرها اللغوي «نمِر» أي : غضِب وساء خلقُه ، وصار كالنَّمِر الغاضب.

وتنمَّرَ : تشبَّه بالنَّمِر في لونه أو طبعه.

وبين مُعتقد ودراسة بحثيّة يخلو المُتنمّر من الاتزان الشخصيّ ، ويفتقد الهدوء النفسي فهو لا يلبث أن يوقد حربا ، ويشعل فتيلها دون تردد ، يستهين بقيم الإنسان ، ويتبنى فكرًا يقوم على مبدأ : «إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب» حتى وهو بعيدٌ عن الذئاب .

أما السبب خلف هذا التّنمر فهو يتأرجح بين كفتين أما يكون ذا جذورٍ قويّة ظهرت منذ التبرعّم الطفولي ، أو وليد لحظة فجّرت كلّ السلوكيات الخاطئة وشيئا فشيئًا استفحل أمرها وظهرت بملامح مفترسة .

ولعل سببه الرئيس كما يعتقد الباحثون التوبيخ الأسريّ ، والعنف اللامبرر عندما يُعطى بجرعات قوية فتتطور النّزعة التّنمريّة وتأخذ مُنحنًى خطيرًا مع مرور الأيام.

إننا في الواقع مجبرون على غرس المبادئ التربوية القويمة في نفوس أطفالنا لتفادي نمو العدوانية أوصدّها بشكل ملائم يرضي الطفل ولا يُثقل كاهله.

ومن الأسس المهمة لبناء طفل قويّ تبني فكرة:

«أنا لا أضرب أحدًا لكنني أرفض بشدة أن يضربني أحدٌ أيضًا»

وإذا تعلّم الطفل أصول ومبادئ الدفاع عن النفس وصدّ الاعتداء ؛ فسوف يُضيّق الخِناق على المتنمّرين ، ويُخدّر أدمغتهم الحُبلى بالشرور ، لذلك لابد من إمداد الأطفال بوابل من المفردات الدفاعية ذات المدلول الكَيِّس و المُنَقَّح بإحكام ؛ فضلا عن زرع القوة في طريقه ؛ للخروج من الأزمات التي يخلقها المُتنمّرون المتبعثرون هنا وهناك بين مرافق الحياة .

وبينما يمكن إصلاح وضع الطفل المُتنمر مع رفاقه في الصف المدرسيّ ؛ يبرز المُتنمّر الراشد عبر الإنترنت يرتدي لباس البلطجة الإلكترونية يبدأ بالتسلية على حسابات الآخرين منتحلًا حسابًا وهميّا ، لايمكنك التعرف عليه ، قد زيّف الحقائق ، وشتم الأخيار من الناس ؛ ولم يعلم أن الله تعالى له بالمرصاد .

يقول الحق تبارك وتعالى:

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

«سورة التوبة» 129

إنّ للمُتنمّر موسوعة ضخمة من الشر وكلما أوقد نارًا للحرب أطفأها العقلاء بحسن التّصرف ، والردّ بحكمة على أثر نشوب أيّ خلاف.

و المتنمّر يسْعى لأخذ ماليس من حقه ، ويرى أنّ حقّه أهم من حقوق الآخرين ، ينشر الخوف ؛ ويُثير زوبعة القلق في محيطه بتصرفاته التي تجعل الناس تتحاشى اللقاء به ، أو إدارة أي حوار معه لأنهم يخشون كلماته ولسانه السليط وهذا مالا يتفق مع صفات المسلم الحقيقي ، يقول الرسول الأعظم صلىالله عليه وآله وسلم :‏ ‏«‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»

ونسبة كبيرة من المتنمرين يزرعون الوهم والخيال في أراضيهم القاحلة ؛ حين يعيش المتنمّر مع نفسه أجواء الشخصية المُبَجَّلة وقد غاب عن ذهنه أنه سرق احترام الناس بسطوته وشرّه المُسْتَفِيض.

وبلا شك فجميع توجهاته الخاطئة نِتَاج العوامل الاجتماعية ، والتربية العدوانية التي خضع لها منذ طفولته، وتهميشه وسط مُحيطه.

ويصب المُتنمّر جام غضبه على من يراه أفضل منه مصداقا للمثل الشائع:

«رجلٌ بلا أعداء رجلٌ بلا قيمة»

فكُن مُسْتعدًا لصد هجماتهم مادمت غارقًا في نعم الله !

ولاتبتئس بما كانوا يفعلون!

واسأل نفسك ماذا أنجزت لترد ضرباتهم؟

وهل جذفت مركبك نحو واجهة أخرى بعيدا عن ترهاتهم؟

وهل أقنعت نفسك بأنك مثل الشجرة المثمرة التي يسددها البعض بالحجارة لتُلقي الثمار اليانعة؟!

تعمقت كثيرًا في القراءة عن حياة أفراد من الناس ؛ كانوا يُلقون باللائمة على آخرين نعتوهم بقبيح الشمائل ؛ وأحدثوا تشوهات كثيرة في حياتهم ، قد صعُب إقناعهم بعودة مُجددة للحياة، ليس لنا حيلة في انتشالهم من أماكنهم المغلقة كما قال المُتصوف التبريزي :

كيف يمكن للبذرة أن تصدق أن هناك شجرة ضخمة مخبأة داخلها؟

ما تبحث عنه موجود بداخلك ، لاتسمح لفقراء الأخلاق بالتقليل من شأنك.

وإذا عزمت فتوكل على الله ، ولتكن سيرة الأنبياء والأوصياء رادعا لهم

﴿وَ قُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً «سورة الإسراء : 53»