آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 9:02 ص

حروف موجعة

سوزان آل حمود *

الحياة هي حلم يوقظنا منه الموت.

نشتاق لمن فقدناهم بالحياة، نشتاق لهؤلاء الذين رحلوا بعيدا عن عالمنا وتواروا أسفل الثرى بلا رجعة، ولا أمل لنا معهم في اللقاء، وتبقى ذكراهم تتعبنا وتؤرقنا والحنين والشوق إلى سماع أصواتهم يتعبنا ويمرضنا ويشعرنا بالعجز الشديد، ويتوقف عندهم الزمن فلا نحن قادرون على تخطى تلك المرحلة والمضي قدما بدونهم، ولا نحن قادرون على ألا نتذكرهم فالمعادلة صعبة جدا ومؤلمة، نحن لم نفق من فاجعة موت عمي إلا وتصدمنا الفاجعة الأخرى وهي فقدان ابنته!!!

كم كانت متعلقة بوالدها رحمه الله فهي البكر لديه وموته نقطة تحول كبيرة في حياتها، تولد اليتم في أعماقها وشعرت بمرارته ولم تستوعب حواسها أن كلمة ”أبي“ قد لفها الثرى وأنها غير قادرة على رؤيته وسماع صوته والتغني بمناداته ليل نهار.

فالموت ليس هو الوحيد من عذبها، حتى المرض نال من جسدها إلى أن بعثرها ومن ثم تركها رهينة الفراش والقدر، فكان الموت هو الحل الأخير لينتهي العذاب الذي كانت تمر به. المشكلة أن المرض يؤلم صاحبَه وبدوره يجعلنا نحن عاجزين أمام الأمه لا حول لنا ولا قوة غير العلاج والدعاء، ووسط الدعاء ننتظر معجزة علّ وعسى تأتي!

إليكِ يا ابنة عمي «مدينة عبدالجبار آل حمود» من بين كل هذا سلامٌ مثخنٌ بالشوق الذي كبح جماح ألمي تجاهكِ، فإن المصائب الجديدة نكأٌ للجروح القديمة التي دفعتنا وجعلت المشاعر تتخبّط بين عدم النسيان والقبول بكل ما حدث مُرغمة ولكن أدركُ جيدا أن الطحالب العائمة لا تُوقف السفن الماخرة، كما أني أعي حق الوعي أني وقعتُ بين شِقي الرِّحى ورغم ذلك سينجلي غُبار التداخل والتصارع هذا يومًا ما، ويمسح الرّان عن قلبي..

وفي هذا السياق يقول علي بن أبي طالب

النفس تبكى على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنها وإن بناها بشر خاب بانيها

لكل نفس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها

المرء يبسطها والدهر يقضيها والنفس تنشرها والموت يطويها

لاتركنن إلى الدنيا وما فيها فالموت لاشك يفنينا ويفنيها

ستبقي يا ابنة عمي تعيشي في قلوبنا وبيننا بأعمالك المشرقة وسيرتك العطرة سنظل نفتخر بأخلاقك ونبلك وتربيتك الصالحة لابنائك ونعتز بك ِللأبد سنظل ندعو لك ِولأموات المسلمين ما حيينا.

‎ابكي، وتبكي معي حروف مخنوقة يمكن بسيطة، لكن:.. موجعة صدري

قلبي يتمزق حزنا، لأني وبسبب مرضي عاجزة أن أحضر لاراكِ النظرة الأخيرة قبل أن يواري جسدك الثرى، وداعاً صاحبة الخلق الرفيع يا من تفيض بالحب والرحمة للجميع.

رحمك الله وجعل قبرك ِروضة من رياض الجنة وجمعني بك ووالديّ وعمي وكل مسلم ومسلمة في جنة عرضها السموات والأرض وألهمنا جميعاً الصبر والسلوان إنه ولي ذلك والقادر عليه.