آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 2:52 م

الكلمة السردية

فاطمة البودريس

الشيخ حبيب الصعيليك«كلمة تأملية، لتأبين الشيخ الأحسائي الفاضل/حبيب الصعيليك في ذكرى أربعين رحيله إلى الملأ الأعلى، يُوافقها تاريخ: «21/10/2021» للميلاد.»

قلبٌ يمايلُهُ الهواءُ بين أضرحةِ الحسينِ مُناديا
لكَ في الخلقِ عاشقاً وبُكِيّا

مِثْلَ ابن عُميرٍ ترَكَ التَّرفَ مُتقلِّباً في نبِيِّهِ
وهل للتقلُّبِ أن يكون إلاَّ مكاناً عليّا؟!

أميلُ بمشاعري إلى مشاعر أهالي بلدتي الحبيبة ”الجبيل“ في فقد شخصية من شخصياتها البارزة تقوىً وأخلاقاً وعلماً: سماحة الشيخ/حبيب الصعيليك رحمة الله تعالى عليه، وعلى رأس المُعزِّين عائلة الصعيليك الصديقة وأهل الفضل والسماحة مشايخنا الأعزاء في البلدة والحوزة العلمية بالأحساء»

أشاركُهُم الرغبة والتواصل الإنساني الذي يحمل صورة الفقد كما هي في قلوب وعقول كُلٍّ مِنّا، لأنَّ الصورة تاريخنا الذي نعيشه وأفكارنا التي نُحاور ونفهم بها بعضنا البعض فهي رسوم الأذهان وماهيتها المجردة أدنانا منها أمير البيان الإمام علي بن أبي طالب عليهما السّلام حينما قال: [عليكم بالفِكر فإنَّهُ حياةُ البصير].

انطلاقاً من ذلك تأملتُ ما جرى لأحوالنا أثناء تلَقِّي خبر رحيل سماحة الشيخ الفاضل/ حبيب الصعيليك، حيث كُنَّا مِثلَ عرَّافٍ امتلئ وجهه بالتنبؤات فسالت من ملامحه دموعاً حارقةً للفؤاد حينما نظر إلى أعيننا الشاخصة حزناً وأسىً على هذا الفقيد العزيز.

ولهذا افترقنا في طريقة السؤال عن الخبر الأساس بين فرد أعياه الخبر فتلجلج في أن يصدقه، وبين آخر انهمك في سرديات السؤال: متى؟ لماذا؟ كيف؟

أمّا الثالث من الأصناف فقد انتظر إلى سابع الأيام وِصايةً على العزاء وعاداته الحُسنى؛ ثُمَّ أطلق سؤاله الكبير:

كيف سيكون الوصلُ بشيخنا الراحل رحمة الله تعالى عليه بعد الآن؟؟؟؟

لا نختلف في أنَّ الإجابات ستأتي متنوعة بل مُمَانِعة في الكثرة..

يُوصِلُها الوجدان بِرِّقة النفس وممارسة العقل في قوالب واضحة المعالم لتكشف عن النتائج المتمثلة في الحاجات والرغبات لما نقصده هنا من قوالب إنسانية عامة..

من قَبيل:

ماهي الصورة التي أنشأتنا عليها البيئة الاجتماعية تجاه الشيخ الفاضل؟

كيف كان سلوكنا تجاه هذه الصورة؟

ثَمَّةَ مشترك عظيم يختصر الهدف والإجابة، وهو أنَّ رجل الدين بالنسبة إلينا كمتدينين ومؤمنين ليس فرداً مُجَزَّءاً عن مجموعةِ قيمٍ رفيعةٍ فحسب.

إنَّما هو المشروع الصادق لتهذيب النفس وتكامل العقل مما يؤدي إلى خلوده واستمرايته حتى بعد مماته.

"وهذه هي الغاية من هذه الكلمة التأملية التي أدعو من خلالها إلى تقوية الروابط العلمية والدينية مع مشايخنا الفضلاء في بلدة الجبيل وخارجها فالهدف واحد وإن تعددت الأشخاص.

بَيْدَ أنَّ استمرار هذا المشروع المذكور أعلاه مرهونٌ بالتخلِّي عن الهوى في علاقتنا بأنفسنا ومن يُحيط بنا كالعائلة والأصدقاء وجماعات المشاريع التنموية الاجتماعية..

ينبغي أن نُفكِّك بين الرأي وقائله، فلا اعتبار للعمر أو المستوى المادي أو المستوى الاجتماعي.

الأهمية القُصوى لسلامة الفكر والخُلُق وقوتهما وفي هذا الأمر شاهد جلِيّ في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمَّا أرسل الشاب مُصعب بن عُمير إلى المدينة المُنورّة حتى يمارس الدعوة الإسلامية لرجاحة عقله وكريم خلقه وهو في بداية العشرينيات من عمره.

ولأمير المؤمنين امتثال خاص فيما تقدم، حيث قال عليه السّلام: مخالفة الهوى شفاء العقل.

ناطقاً للآية الشريفة: ﴿قد أفلح من زكّاها * و قد خاب من دسّاها

لكنَّنا بحاجة إلى أدوات مناسبة لإدراك ذلك التأصيل الإسلامي للعقل والنفس ومن هذه الأدوات أنَّ الفيلسوف الألماني شوبنهاور يكشف أنَّ الاندفاع في سبيل الحياة والتنازع هو الأمر الذي ينبغي علينا توخِّي الحذر منه ومجاهدته حتى الانتصار عليه.

كما أنَّهُ يعتقد أنَّ العبقري - العاقل المُهذِّب لنفسه كما هو في علم الأخلاق الإسلامي - يكون مُختلِفاً عن الإنسان العادي بشيء واحد هو قلة التقيُّد بما يتقيَّد به عامَّة الناس لتحقيق الموضوعية الخالصة في الفكر..

الموضوعية هذه هي تلك القوة التي تجعل صاحبها يُهمِل مصالحه ورغباته وأهدافه الذاتيّة في سبيل مشروعه الإنساني الذي يخدم مُجتمعه.