آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

مسار التمايز بين الدين والمعرفة الدينية

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

ثمة بين الناس مَن يظنُّ بأنَّ أحكامَ الشرع ثابتة، لا تختلف بين زمن وآخر. وأنَّ ما يقوله فقهاءُ اليوم هو عينُ ما جرى على لسان الرسول والصحابة. أمَّا عموم المسلمين فيعرفون أنَّ الأحكامَ الشرعية والقوانين والقيم والأعراف والتقاليد والآراء، تتغيّر بمرور الزمن واختلاف الظروف المعيشية وحاجات الناس.

هناك تفسيراتٌ عديدة تدعم هذه الفكرة، أبسطُها في ظنِّي هو التمييز بين الدين والمعرفة الدينية، بين النصِّ المقدس وما يفهمه الناس من ذلك النص.

نعلم أنَّ فهمَ الخطاب الشرعي عمليةٌ تفاعليةٌ، تتأثَّر بالمجال الحيوي والظرف الاجتماعي الذي يعيشه المكلّف، فضلاً على ذهنية المكلف نفسه. هذه المؤثرات تتغيَّر بين زمن وآخر، كما تختلف بحسب عوامل البيئة الطبيعية والاجتماعية، ولا سيَّما علاقة الإنسان بالطبيعة ومدى فهمه لها وتحكمه فيها.

ومنذ البدايات المبكرة لتفكير الإنسان في الدين، كان ثمة تجاذبٌ بين طرفين: طرف يدعو لقبول المعنى المتولد من ظاهر النص المقدس، سيَّما النصّ الصريح المحدد، وطرف يدعو لتجاوز الظاهر والعبور من اللفظ إلى الرسالة المخزونة فيه.

والذي لاحظته خلال سنوات طويلة من البحث والمتابعة، أنَّ غالبية المهتمين بعلوم الشريعة «بل وحتى عامة الناس» مقتنعون بالرأي الثاني، أي عبور اللفظ إلى ما وراءه. لكنَّهم عند التطبيق وفي الاستشهاد والمحاججة، يذهبون إلى الرأي الأول. فتراهم يبحثون عن نصّ صريح، آية قرآنية أو حديث نبوي، يقول على وجه الدقَّة ما يريدون الاحتجاج له أو الاستشهاد عليه.

والحق أنَّ هذه معضلة، أبرز ما يترتب عليها هو إبقاءُ البحث في النصّ المقدس سطحياً، ومحصوراً في المجال اللغوي ضمن المنهج القديم.

قدَّم العديد من المفكرين المعاصرين محاججات قوية، على أنَّ الوعاء اللفظي للنص لا ينبغي أن يحدّد معناه النهائي. وذلك لأنَّ اللغة منتجٌ بشري، يتأثَّر - مثل سائر منتجات البشر - بالظرف الموضوعي لصانعه ومستعمله، أي ما سمَّاه الفلاسفة التأويليون «الأفق التاريخي» للمتلقي.

من المفهوم أنَّ القرآن قد أوجد حقولاً دلاليةً جديدة للكلمات، صرفتها إلى معان جديدة، تخدم الرؤية الكونية التي يريد الدين إقرارها كمضمون للعلاقة بين بني آدم والكون الذي يعيشون فيه «تقارب هذه العملية ما يسميه طلبة الشريعة تحويل الحقيقة اللغوية إلى حقيقة شرعية». لكنَّ هذا لا يغير شيئاً من حقيقة أنَّ لغة الخطاب محدودة بالفضاء الثقافي/ الاجتماعي للناطقين بها. وهذا يؤدي - بالضرورة - إلى تقييد وتحديد الخطاب والفضاء الذي يتوّجه إليه، كي يمسي مفهوماً للمخاطبين به، والذين يتوقع أن يحملوه إلى غيرهم، أي يعيدوا إنتاجه في قالب كلام بشري متوسط المستوى.

الحاجة لتحديد الخطاب وتقييده، هي التي جعلت نقاط التركيز وطريقة التعبير والأمثلة الشارحة، مستمدة من البيئة الاجتماعية، ومتصلة مباشرة بنمط العيش ومصادر الإنتاج والثقافة السائدة في غرب الجزيرة العربية، في ذلك الزمن على وجه الخصوص.

العوامل المؤثرة على تفاعل المتلقي مع الخطاب الشرعي المذكورة أعلاه لا تبقى على حال واحدة. فهي تتحوَّل مع مرور الزمن واتساع الثقافة، وتوسع الدولة وتزايد الثروة والاختلاط مع أمم جديدة.

تؤثر هذه التحولات في فهم الأشياء والرؤى وفي عملية توليد الأفكار، وبالتالي في فهم الخطاب الشرعي والموقف من أوامره ونواهيه.

هذا كما أسلفت أحد التفسيرات المطروحة لتحول المعرفة الدينية، والذي يستوجب تمييزها عما نسميه الدين أو النص المقدس. وأظنُّ غالبية الناس يرون هذا التفسير معقولاً وطبيعياً، سواء تعلق الأمر بالدين أو بأي جانب من جوانب الحياة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.