آخر تحديث: 30 / 1 / 2023م - 11:00 ص

صراع الأجيال

محمد أحمد التاروتي *

الاختلاف الفكري والتحولات الثقافية لدى الأجيال، تارة تكون وسيلة للمقاربة فيما يعود على البيئة الاجتماعية بالفائدة الكبرى، وتارة أخرى تمهد الطريق امام المواجهات الدامية، من خلال إصرار انصار كل طرف على مواقفه، انطلاقا من قناعات راسخة بالاحقية المطلقة، في اتخاذ الخطوات الضرورية لتكريسها على الواقع الخارجي، الامر الذي يفضي لاختلافات تتخذ اشكالا متعددة، تبعا للظروف المكانية والإمكانيات المتاحة.

النظرة المتباينة لمعالجات الاجتماعية تسهم في توسيع الهوة بين الطرفين، فكل طرف ينظر إلى مستقبل المجتمع بطريقة مختلفة، ففي الوقت الذي يحاول الجيل القديم التمسك بالمكاسب المتحققة، وعدم السماح بالتفريط بها، نظرا لخطورة التفريط بالثقافة السائدة التي ترسخت عبر الكثير من التجارب على العقود الماضية، بينما يحاول الجيل الصاعد توظيف المفاهيم والثقافة المعاصرة بطريقة مثالية، بهدف احداث تحولات قادرة على نفض الغبار، عن العديد من القناعات ”البالية“، مما يسهم في وضع المجتمع على طريق التقدم، والدخول في ركب المجتمعات المتقدمة.

إمكانية اكتساح البيئة الاجتماعية، والقدرة على اثبات صوابية الرؤية، بحاجة إلى برامج قادرة على قراءة التوجهات الاجتماعية، بالإضافة إلى وجود بيئة حاضنة لاستقبال تلك القناعات، فالبيئة الاجتماعية تموج بالعديد من الألغام، التي تشكل تهديدا حقيقيا لكل طرف، فالجيل القديم يراهن كثيرا على الثقافة الاجتماعية السائدة التي تتحرك وفقها البيئة الاجتماعية، مما يدفعها للتمسك بمواقفه الرافضة للتوجهات التي تقودها الأجيال الصاعدة، باعتبارها تحركات غير مدروسة، وتسهم في تقويض الكثير من المكاسب المتوارثة عبر الأجيال، فيما الجيل الجديد ينطلق من القدرة على استقطاب الأجيال الناشئة للوقوف خلفه، خصوصا وان التقارب الثقافي والانسجام الفكري يدفع باتجاه الانقلاب على الموروث الثقافي السائد، بهدف الانطلاق بقوة نحو الامام، والعمل على اخراج البيئة الاجتماعية من حالة القديمة، والتعاطي بواقعية مع الحياة المعاصرة، بهدف احداث تحولات حقيقية في التفكير الاجتماعي.
الفجوة الشاسعة في النظرة للآليات المتخذة في الحفاظ على المكاسب الاجتماعية، بحاجة إلى الجهود الكبيرة لتقليص حجمها لدى كافة الأطراف المتصارعة، خصوصا وان كل طرف يحاول اثبات صوابية تلك القناعات، عبر توظيف الإمكانيات المتاحة، ومحاولة استقطاب المزيد من الشرائح الاجتماعية، بهدف كسب المعركة عبر استقطاب المزيد من الفئات الاجتماعية، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على التحركات الهادفة، لاحداث مراجعة للقناعات لدى الأطراف المتصارعة، خصوصا وان الصراع يصعب حصره ضمن الغرف المغلقة، حيث يعمد كل طرف لاخراج الاختلافات إلى العلن، لاحراج الطرف المقابل من جانب، والعمل على تحقيق مكاسب على الأرض من جانب اخر.

تحقيق الانتصار في المعركة القائمة بين الأجيال، مرتبط بالقدرة على احداث اختراقات حقيقية على الأرض، لاسيما وان عملية الاستقطاب الاجتماعي تمثل الرهان الحقيقي لجميع اطراف الصراع، الامر الذي يفسر حرص كل طرف على شرح قناعاته بطرق مختلفة، للتأثير على الوسط الاجتماعي والعمل على خلق ظروف ملائمة، لتسجيل المزيد من النقاط على حساب الطرف المقابل، بمعنى اخر، فان كسب المعركة يتطلب الكثير من الصبر، والقدرة على تجاوز الامتحانات الصعبة، لاسيما وان القناعات وحدها ليست قادرة على تحقيق الانتصار في الصراع القائم، مما يستدعي سحب التيارات الاجتماعية بطرق مختلفة للحصول على التأييد الشعبي، نظرا لوجود تباين كبير في طريقة المعالجات الاجتماعية، فكل طرف ينطلق من رؤية مختلفة عن الطرف الاخر، الامر الذي يدخل الجميع في معركة دامية على الصعيد الثقافي.

التمسك بالقناعات ورفض جميع التوجهات لدى الأطراف المقابلة، لا يصب في المصلحة المشتركة، خصوصا وان النظرة السلبية لمختلف الأمور يكشف بعض القصور في التفكير، وبالتالي فان العمل على القراءة الدقيقة للتوجهات الأخرى، يفضي إلى العقلانية في الرؤية الشاملة، الامر الذي يسهم في اكتشاف الكثير من الإيجابيات، مما ينعكس على إدارة الصراع بالطريقة المثالية، والانطلاق للاستفادة من العناصر الإيجابية، ومعالجة النقاط السلبية، بحيث يسهم في تحويل صراع الأجيال، إلى المشروع الاجتماعي بشكل خاص.

كاتب صحفي